سامر البرزاوي
وكأنه جسر العبور إلى الجنة. هو “الميكروسرفيس” أو ما يعرف داخل دمشق بـ”الميكرو” أو بـ”السرفيس” اختصاراً للكلام. لكن سواء نودي عليه بالاسم الكامل أو المختصر فالمخلّص لن يأتي. هكذا حال سكان العاصمة اليوم وهم ينتظرون في مواقف النجاة عبور الحصان الأبيض نسخة 2014. حصان مفلطح الشكل تبرز مقدمته بفانوس مضيء وزمور صوتي يعطي إشارة البدء لموجة هائلة من التدافع البشري.
طفل يبكي من الاهتزاز في حضن أمه، سيدة عجوز تحمل أكياساً أثقل منها، رجل خمسيني وصغار وكبار لايعرف عددهم. الجميع يصارع لصعود العتبة الذهبية وضمان موطئ ولو قدم في الحافلة السحرية.
يقول عبدالله، شاب من دمشق يعمل مبرمج حواسيب، “لا أذكر في تلك اللحظة إلا أن قدمي في الداخل وجسدي في الخارج والباب سيغلق وقد تسير المركبة بمن حملت، حيرة عمياء وخيارين أحلاهما مر التكمش بالسرفيس مقابل خسارة جزء من جسدي أو الانتظار ريثما يأتي ميكرو آخر إن أتى”.
حال محمد، صحفي، لا تختلف كثيراً عن عبد الله وهو يروي ضاحكاً قصة عجوز شقت بعصاها حشد المتجمهرين على الباب وصاحت بفتاة تجلس داخل الميكرو لمساعدتها في الصعود كما الهبوط. إلا أن الفتاة بساعدها اللين حين أخفقت في مساعدة العجوز على النزول، ناولتها العجوز بالعصا ما أطلق ضحكات الحشد الجماهيري في السرفيس عالية متحدة في الألم والأمل المستنزف بالخلاص.
هكذا يبدو السرفيس مجتمعاً مصغراً يضم وجوهاً متناقضة تتقاسم معاناة الشارع السوري.
يتذكر فراس،26سنة، وهو صيدلي، حين عصف البرد ليلاً بعد التاسعة وقد واعد صديقه بلقاء ضروري. دقائق الانتظار الموحشة قابلها مقعد فارغ في سرفيس لم يحلم فراس بأنه سيبصره تلك الليلة، وعلى مقعد السرفيس الجانبي طولاً، جلست سيدة ممتلئة. “وبينما كنت شارداً في البرد وصديقي الذي ينتظرني، لمحتها توجه لي نظرات حادة تشي بالغضب” يتابع فراس “بادرتها القول : تفضلي واجلسي مكاني، فردت بطريقة فظة: كنتَ انتظر حتى أنزل بعد”.
في فوضى الرحلة القائمة على رحيل وجوه وقدوم أخرى، يمضي السرفيس رحلته متعثراً بالحواجز التي تعيق سيره فتزيد من حقن الركاب وتوتر السائق الخاضعين لمزاج عسكري الحاجز. وهو يتفحص الوجوه بنظرته الثاقبة ويحكم من خلالها على الركاب جميعاً بالتوقف أو السير. فإذا انتهى التدقيق، ضرب العسكري زجاج السرفيس بعقب البندقية أو ربما بقدمه ليشير للسائق ضمناً بمتابعة رحلته.
“الهبوط من السرفيس رغم جماليته ببلوغ الهدف إلا أنه يحمل الراكب حرباً أقسى حيث سيعاكس تياراً بشرياً هائلاً قادماً نحوه” يقول أمجد، 21سنة، طالب في جامعة دمشق، ويتابع “لم أكن أعلم أن نزولي من السرفيس وقد ظننته فرجاً من عذاب الحشر في الداخل، سيكون شؤماً بعدما ناداني عنصر الحاجز المقابل وفتح معي تحقيقاً عن ملامح تذمري بعد نزولي السرفيس متهماً إياي بالسباب وعدم رضاي على الحكومة”.
وإن حدث وتحقق الحلم بقدوم الميكرو فمنتظريه قد يسمعون على الغالب الكلمة الأشهر في دمشق هذه الفترة: “مو طالع”. كلمة تدفع الحالمين إلى لعن سائق السرفيس والحافلة ووزير الطاقة وأياً كان من الهرم الحكومي دون التجرؤ على بلوغ رأسه. أما إذا طُوّق السرفيس بجمع لم يستطع تخطيه، فقد يحدث جدال طويل عريض لإقناع السائق بإيصال الركاب ولو بأجرة أعلى. وهنا يبدأ الاستغلال الذي يمارسه بعض السائقين في زيادة التعرفة متعذرين بساعات انتظارهم الطويل على محطات الوقود لتعبئة الخزان. وأي خزان سيتسع لرحلة حافلة باتت تستغرق أربعة أضعاف وقتها الطبيعي لبلوغ المحطة الأخيرة المتغيرة حسب الظروف. فسرفيس السومرية قد ينهي خطه في أوتستراد المزة، والدوار الشمالي في ركن الدين، والميدان في الفحامة. جغرافيا متغيرة برسم الحواجز والازدحام وركاب يلتحفون الأرصفة آمالهم معلقة في ربع متر مربع مساحة ملكاً لهم وهم على استعداد حينها للوقوف مع حني نصف الجسد العلوي أو الاضطجاع أو جلس القرفصاء مقابل الوصول إلى مكان يريدونه. وما المراد بالأمر السهل في مدينة تأكلها الحرب وتمضغ أحلام أهلها معها فتغدو أقصى الأمنيات أن يأتي، الميكروسرفيس.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث