مرهف دويدري
استطاع النظام السوري إخضاع بعض المناطق التي خرجت عن سيطرته بحصارها بشكل
تام. مستفيداً من صمت المجتمع الدولي، في فرض الإبادة الجماعية التي تنفذها قواته في المناطق
المحاصرة، من خلال عنصرين أساسيين، هما الجوع والموت، واللذين مهدا إلى عقد هدن متعددة في ريف دمشق وحمص. هذه
الهدن والمصالحات، التي رأى المجتمع الدولي أنها ناجعة في فرض الحل السياسي على
السوريين، ليبدأ المبعوث الدولي لسوريا “ستيفان دي ميستورا” مهمته من
هذه النقطة تماماً، وإن كان المبعوث الدولي قد اختار لها اسماً أقل
قذارة من النظام وهو “تجميد القتال” في حلب، كمرحلة أولى، وبعدها تعميم
التجربة، في حال نجاحها.
من حق المحاصرين أن يعيشوا
في غمرة الاتهامات لأهالي المناطق المحاصرة، التي
عقدت هدناً مع النظام لإدخال الطعام والدواء وإخلاء الجرحى، يعتقد البعض أن من حق
هؤلاء الناس عقد مثل هذه الهدن، والتي فُرضت عليهم بسيف الجوع و القصف اليومي، دون
أن تستطيع قوات المعارضة فك هذا الحصار. يقول الإعلامي “عمار أبو شاهين”،
رئيس تحرير صحيفة حماه الإخبارية: “أعتقد أن سكان المناطق المحاصرة لجؤوا إلى
المصالحة بعد أن قطعوا الأمل في أن يقوم الثوار بفك الحصارعنهم، وإيصال المساعدات
لهم بطريقة أو بأخرى، وخاصة بعد أن طال الحصار عليهم في بعض المناطق لأكثر من عام،
مثل ريف دمشق وأحياء حمص القديمة وبعض المناطق الأخرى“. ويضيف أبو شاهين مبرراً إقدام السكان على الهدن، “لا يمكن لأحد أن يلومهم على هذه المصالحة
وهو خارج الحصار، هناك أطفالٌ ماتت من الجوع والبرد في هذه المناطق، ويبقى السؤال
الأهم لكل من يرفض هذه المصالحات، وهو لم يشعر بضيقها وتأثيراتها السلبية، لو كنت
ضمن هذه المناطق المحاصرة، ومرض أحد أبناءك واحتاج الدواء الذي لا يمكن لأحد توفيره
لك سوى النظام ماذا ستفعل؟؟ الحديث المعنوي عن المواقف الثابتة والخطابات الرنانة
وغيرها من التصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع”.
بالمقابل يستنكر المحامي والناشط الحقوقي في توثيق جرائم النظام الأستاذ،
محمد بديع العبدو هذه الهدن، التي باعتقاده كان يجب عليها أن تحترم الدماء التي
سالت من أجل تحرير هذه المناطق فيقول: “علينا أن نحترم شعور أمهات الشهداء
وزوجاتهم وأطفالهم وذويهم، من يضمد جراح هؤلاء؟ وهل من المعقول أن يشاهدوا قاتلهم
ومن معه يجلس مع أبناء الثورة؟ علينا أن نحترم الملايين المشردة، نحترم أصحاب المآسي؛
من دُمر منزله ومن حُرق ومن سُرق.علينا أن نحترم الجرحى والمصابين ومبتوري الأطراف
والمقعدين بسبب الحرب، هناك قصص إنسانية كثيرة سيكتب عنها التاريخ أنها أبشع جرائم
تُرتكب بحق الإنسانية، وبحق الشعب السوري. كان عليهم أن يستشيروا الأطفال، أبناء
الشهداء والجرحى، هل يقبلون بالمصالحة؟”
هدن غير مكتملة
لعل رد “وليد المعلم” وزير خارجية نظام الأسد على مبادرة
“دي ميستورا”،أن تجميد القتال يعني أن تسلّم المعارضة المسلحة سلاحها إلى
الدولة الشرعية، وإلا فإن الجيش السوري سيحقق انتصاراتٍ كبيرة، ما يعزز مفهوم
الهدن لدى النظام، وهو إخضاع السكان المدنيين، الذين يعتبرهم الحاضنة الشعبية
لمعارضيه المسلحين، حيث تأتي الهدن عبر الفرض بالقوة، من خلال إطباق الحصار، والقصف
المستمر الذي يحرق “الأخضر واليابس”، حيث كان آخرها في حي الوعر الحمصي.
هذه الهدنة التي انهارت قبل أن تبدأ. تقول السيدة بتول، مقيمة في حي الوعر :
“عندما رفض أهالي حي الوعر الخضوع لهدنة النظام بشروط تعجيزية، مع بقاء قناصة
النظام ومنع التجوال داخل الحي، أو الخروج
منه والدخول إليه، اعتبر النظام أن الهدنة قد فشلت، فبدأ باستقدام تعزيزات، وتجهيز
آليات وذخائر لاقتحام الحي بقوة السلاح ضد مدنيين عزل”.ويقول السيد “أبو
عمار” الذي عاد إلى حمص القديمة بعد سيطرة النظام عليها، على أثر الهدنة التي
خرج بموجبها المحاصرون في أحياء حمص القديمة مع المقاتلين، “الوضع سيء جداً
من الناحية المعيشية، صحيح أن القصف اليومي قد توقف، إلا أن عناصر النظام والدفاع
الوطني مازالوا يعتبروننا أعداءهم، كوننا نختلف في انتمائنا الطائفي”، ويضيف أبو
عمار، “الإهانات على الحواجز داخل الأحياء زادت كثيراً، وأحيانا نضطر إلى
الوقوف لمدة طويلة كي يُسمح لنا بعبور الحاجز. الهدنة لم تغيّر شيئاً، فقط سيطر
النظام وشبيحته على حمص”.
الموقف من الثورة بعد الهدن
لعل الهدف من المصالحات والهدن التي يقوم بها أهالي البلدات والمدن أوالأحياء
مع النظام هو تحسين الوضع المعيشي ليس أكثر، وعلى الرغم من وجود عناصر التحسّن
الخدمي، على مستوى مدة التقنين الكهربائي، أو توفر المواد الأساسية للطعام، أو إعادة
ضخ المياه الصالحة للشرب، فقد استُخدمت هذه العناصرلإخضاع السوريين.
يقول “سليمان” المقيم في معضميّة الشام، والتي عقدت مصالحة
غير مستقرة مع النظام، وانهارت أكثر من مرة “موقفي وأصدقائي مازال ثابتاً
تجاه الثورة، التي قمنا بها لتغيير حياتنا وطريقة عيشنا، نحن لن نتخلى عن الثورة،
وإن كنت الآن بلا فاعلية، بسبب القبضة الأمنية الخانقة في المعضمية، إلا أن الإيمان
بها مازال موجوداً”.
أما أبو عمار، العائد إلى
بيته المنهوب في حمص القديمة فيقول: ” لا يمكن أن أتخلى عن فكرة الثورة، فأنا
أحملها في قلبي، ولكن كان لابد من العودة، لأن مناطق النزوح تشهد قصفاً يومياً،
كما كانت حمص القديمة، ولكن لا أحلم اليوم بأكثر من مكان آمن ولا أتوقع أن هذا
الحلم يتعارض مع حلم انتصار الثورة”.
بينما تعتقد السيدة بتول أن، “الثورة انتهت، وأصبحت من الذاكرة”،
وتضيف، ” أصبحنا في حربٍ أهلية بين عدة أطراف؛ النظام أحدها لذلك أعتقد أن
المصالحات مع النظام، والعيش بلا قصف، أفضل من الموت المجاني”.
استراتيجة النظام في المصالحات
يحاول النظام العمل على المصالحة مع المناطق التي قد ترهقه مادياً
وعسكرياً، وهي في الغالب بلا أي فائدة استراتيجية بالنسبة له، فتقود الهدنة إلى إخماد
منطقة قد تسبب له خللاً في ترتيب المعركة. يقول الإعلامي عمار أبو شاهين، “الخلافات
حول قبول عقد مصالحة مع النظام، والتي تشتد بين الفصائل المعارضة في المناطق
المحاصرة، هي من أهم الأسباب لقبول سكان هذه المنطقة بالهدنة، خاصة عندما يتحول
الخلاف في الرأي إلى اشتباكات مسلحة”.
ويضيف أبو شاهين، “أعتقد أن هذه المصالحات هشة وقابلة للانهيار
مع أول إشكالية قد تحصل في هذه المنطقة، بسبب التضييق على المدنيين وحملات الدهم والاعتقال،
وأن النظام ليس بوارد أن تكون هذه المصالحات دائمة، فهو يريد إعادة السيطرة بشكل
كامل، وإنهاء حالة التمرد ضده، لذلك يستخدم الهدن للانقضاض على معارضيه، على الرغم
من أهمية المصالحات من الناحية الإنسانية”.
المصالحة طعام وشراب فقط
كل المصالحات التي قام بها النظام في مناطق من ريف دمشق وحمص، كان
يصفها بأنها مصالحاتٌ هدفها الطعام فقط، لاعتقاده بأن فكرة الهدنة تقوم أساساً على
مفهوم حصار الجوع، الذي يخضع له الناس جميعاً. فالنظام لا يرى في المصالحة سوى
الطعام، دون العمل على إعطاءالحقوق الإنسانية للمدني الموجود داخل مناطق المصالحة.
يقول أبو عمار العائد إلى حمص القديمة، “صحيح أنني عدت إلى منزلي، لكنني في
الحقيقة، أخاف التنقل من مكان لآخر داخل الحي الذي أسكنه، بسبب الحواجز والإهانات،
حيث تقتصر المصالحة على إدخال الطعام، وكأن الحي تحول إلى إسطبل كبير يُدخل النظام
إليه العلف لإطعامنا فقط”. أما السيدة بتول، المقيمة في حي الوعر، تقول:
“أنا أريد فقط أن أطعم أولادي، وأن يتوقف القصف. لا أريد أي شيءٍ آخر. هل هذا
كثير علينا؛ نحن الذين نموت بشكل بطيء؟”.
لعل فكرة المصالحات التي يتمسك بها النظام، ويؤيدها المجتمع الدولي
بطرح المبعوث الدولي، يجعل هذه الهدن تدخل البلدات المحاصرة من بوابة الجوع والقصف
الذي يستهدف كل شيء في هذه المناطق. ولكن الثابت في هذا الموضوع أن انهيار
المصالحة في أي منطقة، يتسبب بكارثة أكبر من تلك التي تعايش معها السكان طويلاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث