ثائر الزعزوع
كان من المفترض أن
أكتب هذا الأسبوع عن سقوط وادي الضيف في ريف إدلب بيد جبهة النصرة وطرد قوات
النظام منه بعد حصارٍ استمر شهوراً طويلة، وعددٍ من المعارك الاستثنائية التي دارت
بين الكتائب المقاتلة، وبمسميات عديدة، وبين قوات النظام التي تستعين بمرتزقة من
حزب الله وسواه، لكن وبالتزامن مع هذا الحدث الكبير وقع حدث آخر، لم ينل حظه من
المتابعة كما حظي الحدث الأول، الحدث الآخر وقع هناك شرقاً في قريتين صغيرتين من
قرى الفرات هما الكشكية وغرانيج، إذ اكتشف الأهالي مقبرةً جماعيةً بعد عودتهم إلى
القريتين، وقد هجروا منهما على يد تنظيم داعش قبل ثلاثة أشهر، والذي كان قد ارتكب
مجزرة جماعية بحق المئات من أبناء عشيرة الشعيطات التي وقفت في وجهه وقاتلته
قتالاً فدائياً، لكن نقص الذخيرة وانعدام العون، وربما تواطؤ البعض، جعل التنظيم
ينتصر.قامت داعش بعدها بتهجير كل قرى عشيرة الشعيطات
(الكشكية و أبوحمام وغرانيج)عقوبة لهم على مقاومتهم، فأصبحت
القرى شبه خالية من الناس والحياة،عدا مقاتلي تنظيم داعش الذين عاثوافيها فساداً، فدمروا
وسرقوا، وبعد مفاوضات طويلة سمحت داعش للأهالي المهجرين بالعودة،ولكن بشرط إعلان
التوبة وتسليم أسلحتهم.
بعد عودة الأهالي إلى قرية غرانيج،وجدوا عدداً من الجثث المتحللة، والتي لم
يتم التعرف على أصحابها، مدفونة بمقابر جماعية.وبعد عودة أهالي الكشكية،وجدوا مقبرة
جماعية تضم أكثر من 200 جثة مدفونة في بادية أبوحمام، بحق أناس كانوا يُعتبرون من المفقودين
أثناء القتال والتهجير على أيدي عناصر تنظيم داعش.
قبل ذلك كان
التنظيم قد دخل “غازياً” منطقة البوكمال.فشل أول مرة وتكبد خسائر فادحة،
لكن جبهة النصرة قامت بعد ذلك بتسليم المدينة على طبق من ذهب لعناصر داعش الذين
ارتكبوا، وما زالوا يرتكبون، المجزرة تلو المجزرة في كل بقعة تطأها أقدامهم.
خلال المعارك
الطويلة والكثيرة التي شهدتها محافظة دير الزور، كانت جبهة النصرة تبدي شراسة
وحماسة في القتال، وكانت تتحالف بسهولة مع كتائب الجيش الحر، وتنسق معهم بشكل
واضح، ولكن ما إن يتم طرد قوات النظام من إحدى المناطق حتى يعلو صوت النصرة أكثر
فأكثر، ولكنه يخفت فجأة أمام صوت تنظيم داعش، مهما كان خافتاً. وهذا أمرٌ غريبٌ
حقاً، على الرغم من إعلان النصرة مراراً وتكراراً أنها على خلاف “فكري”
مع داعش، وأنه لا يوجد تنسيق بينهما، وعلى الرغم من قيام داعش بتكفير عناصر النصرة
واعتبارهم مرتدين، وقد أظهر شريط فيديو تم تسريبه مؤخراً من أحد معتقلات داعش، على
غرار التسريبات التي كانت وما زالت تطل علينا بين الحين والآخر من داخل أقبية فروع
مخابرات النظام، أظهر التسريب قيام عناصر تنظيم داعش بتعذيب معتقلي النصرة
وإجبارهم على شتم “الجولاني” واعتباره مرتداً، ولن نسأل هنا من سرب مقطع
الفيديو، وكيف وصل إلى العامة، فهذا سؤال عبثي سألناه مرات كثيرة،والآن فلنعد إلى جبهة
النصرة، هل حقاً تقاتل جبهة النصرة لأجل الثورة السورية؟ وما هي أهدافها؟ هل هي
حقاً تهدف إلى إرساء مبادئ الثورة التي قامت لأجلها؟ وهل تعمل النصرة وفق أجندة
سورية أصلاً؟ وهل هي قادرة على إدارة المناطق التي تسيطر عليها، أم أنها ستضعف مثل
كل مرة، وستنقض داعش على أراضيها وتستولي عليها، اتفاقاً أو بالإكراه، كما حدث
مرات عديدة؟ هذه الأسئلة ليست مهمة على ما يبدو، كما أن السؤال عما سيحدث بعد ذلك
لم يعد مهماً، المهم هو أن يخسر النظام ولو خسارة مؤقتة، ثم بعد ذلك تأتي
التبريرات والتعليلات، وما أشطرنا في التبرير والتعليل.
فلنترك النصرة
جانباً ولنعد إلى الشعيطات، إذ إن داعش، وعلى ما يبدو، باتت واقع حال، وبات تمددها
أمراً مفروغاً منه، ولا يناقش فيه أحد، بل إن النقاش يدور حالياً حول الحدود التي
يمكن أن تتوقف عندها، وما هي استراتيجيتها للمستقبل، وقد باتت منتجاً للنفط، وليس
من المستبعد أن تنضم لمنظمة أوبك، وتنال اعترافاً دولياً، وقد توقعنا هنا أن يبدأ
التعامل معها إعلامياً بلغة مختلفة، وهذا ما حدث تماماً، فقد استغنت الكثير من
القنوات عن تسمية “داعش” وباتت تطلق عليها تسمية “الدولة
الإسلامية”. وشيئاً فشيئاً، سوف يصبح “البغدادي “زعيم “الدولة
الإسلامية”، وكل ذلك ليس سوى عملية أداء لغوي، يتم ترسيخه ليصبح واقعاً
ونألفه، تماماً كما ألفنا تسمية “إسرائيل” من خلال الفضائيات بعد أن
عشنا عقوداً نسميها “الكيان الصهيوني”، حتى اندثرت هذه التسمية الآن ولم
يعد يستخدمها أحد على الإطلاق. وقد تحولت الثورة بفعل اللغة أيضاً إلى صراع ثم إلى
أزمة، ثم إلى مأساة، وهكذا دواليك حتى وصلنا اليوم لأن نقول الحرب في سوريا، ولكن،
بين الحين والآخر، نتوقف ونستيقظ من حالة غيبوبتنا، فهذه ثورة هدفها إقامة دولة
حرة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع، وسيلتها إسقاط النظام المستبد، ولن تقبل بمستبد
آخر مهما حمل من تسميات، ومهما وضع على وجهه من مساحيق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث