علي طه الأمين
“فوق الموتة عصة قبر” هذه حال عائلة المتوفّى “محمود عودة” فبعد أن فُجِعوا بوفاة والدهم، أصابهم همٌّ جديد بعد أن علموا أن قبر جدهم في مقبرة “نبي الله ذو الكفل” ضمن العاصمة دمشق، استوطن داخلها محتل، ليبلغوا عن حالة الاحتلال غير الشرعي لقبر جدهم، حالة “آل عودة” هي غيض من فيض عن قصص الكثيرين من بؤساء القبور ممن سرقوا أو فقدوا أو أضاعوا قبور ذويهم.
هنا في قبور دمشق روايات كثيرين ممّن ضاقت بهم تكاليف الحياة والحرب، ما جعل بعضهم يتسلل لقبور آخرين، ويحتل آخرون القبور تحت جنح المخالفات، كحال قبر المحتل “لآل عودة”، في حين يأمل غيرهم أن يطيل الله في أعمارهم، ليتمكنوا من شراء قبر أو فتح قبر ذويهم، حتى يتشاركوا وذويهم مدفناً يصعب تأمينه هذه الأيام.
يحاول التحقيق التالي: استقصاء مهام مكتب دفن الموتى، والخروقات التي تتم في بعض مكاتب دفن الموتى، وقصص المعاناة للدفن وما بعد الدفن، والفوارق الطبقية في القبور إضافة لقضايا أخرى في المقابر توازي إكساء البيوت وترميمها والمتاجرة فيها؟!
خروق ينسجها الواقع
يحدث في دمشق الآن أن يُفتَح قبرٌ لاستضافة ميت آخر فيه بعد ثلاث سنوات وهو ما يختلف عن السابق، إذ لا يحق دخول زائر إلى القبر إلى بعد خمس سنوات، وهو ما حدث مع “عليا” التي توفى جدها، فقرروا فتح القبر الوحيد الذي تجاوز تاريخ آخر عملية دفن وهي ثلاث سنوات، متجاوزين خوف حفار القبور من إمكانية عدم تحلل الجثمان، يحدث ذلك مع عدم تحديد تكاليف حفر القبور بشكل واضح لا لبس فيه، يرافقه طرق احتيال وتزوير لدى عمال وسماسرة القبور وانتشار حالات كبيرة من الفساد والسرقات طالت الكثير من القبور إضافة للاستغلال الذي يتعرّض له أهل الميت من مكاتب دفن الموتى.
لذلك يقول “كرم” الذي كاد يفقد قبر والده المتوفي منذ عشر سنوات: “تتكاثر ضمن العاصمة دمشق تجاوزات وخرق للقوانين للعاملين في “تجارة” الدفن، لذلك يجب الحد من حالة الفساد المنتشرة كالنار في الهشيم في احتلال القبور، وتحديد سعر حفر القبور ومحاسبة العاملين المتهربين من الضوابط والقوانين، بالمقابل يشترط مختار أحد أحياء دمشق أن يكون حفار القبور من أهل المنطقة التي يعمل بها لعلمه المسبق بأصحابها وتحديد مبلغ محدد لحفار القبور، إذ يتقاضى بعض حفاري القبور ما بين (50-75) ألف ل.س، دون رقيب، إضافة لتحديد تكاليف الترميم والتزيين ومراسم الدفن والعزاء.
من هنا يقول محمد/ موظف في محافظة دمشق: “أن حال المقابر حاضرة دائماً على النقاشات على طاولة محافظة دمشق، ولتفادي هذه المشكلة كانت الاقتراحات والتوصية بوضع كاميرات بإدخال معلومات قاطنيها على الحاسب لتسهيل خدمة المواطن ومواجهة تقصير الفاسدين ومحاسبتهم وإحالتهم إلى القضاء مع وجوب تحديد أجرة عمال حفر القبور”، لكن ذلك لم يحد من أعمال الفساد حسب “نوال”، التي فقدت قبر جدها نتيجة تآمر من أبناء عمومتها واستيلائهم على القبر بعد التنسيق مع مدير مكتب الدفن هناك.
قبر الضيق يتسع ألف صديق
يترافق الطلب المتزايد على القبور مع تبعات السوق السوداء في تأمين المدفن وأعمال السمسرة التي تنتاب عملياتها، من هنا يرى “محمود” حفار مقبرة التغالبة، أن القبر ثروة في دمشق هذه الأيام؛ حيث أصبح هدف ابن دمشق عبر جمع المال لتأمين منزل في حياته، بل تجاوز ذلك تأميناً لقبر يحتضن آخرته، وعليه يؤكد “فايز صنوبر/ خياط، أن “الموت مكلف بدرجة عالية، إذ أنه لم يعد بالإمكان رؤية الناس متساوية في المقابر، فمن حال الشاهدة والرخام والموقع ومكان الدفن يمكن مباشرة التمييز بين قبر الغني والفقير، والأخير يمكن له استضافة ضيوف عدة، رافعاً شعار “القبر الضيق يتسع ألف صديق”!
تجار القبور قضاة ومحامون
صنفت محافظة دمشق أسعار القبور إلى الدرجة الممتازة 650 ألف ل.س، والأولى 500 ألف ل.س، والثانية بحدود 350 ألف ل.س، لكن سعر بعض القبور في بعض أحياء العاصمة دمشق، تجاوز المليون ليرة سوريّة للقبر الواحد، نظرًا لكثرة الطلبات على القبور، بالمقابل ذكرت مصادر لـ “صدى الشام” أنّ الكثير من القضاة والمحامين تحولوا لسماسرة قبور، ليبيعوا القبر الواحد بسعر تجاوز المليون ل.س، وذلك بعد استفادتهم من قرار محافظ دمشق المتضمن الموافقة على حفر قبر لمن يتقدم بطلب، وعليه حصلوا على رخص تمكنهم من حفر القبور، والمتاجرة فيها وبيعها بأسعار خيالية، تجاوز المليون ونصف في بعض المناطق.
وتسود حالة سيئة لدى الأهالي بسبب حفر قبور في مقابر التغالبة، ونبي الله ذو الكفل، وعند مداخل المقابر الرئيسية، بالمقابل أفاد مدير مكتب لدفن الموتى بالعاصمة دمشق، بأنّ “مكتب الدفن” يقوم بتطبيق قرار المحافظ من خلال البحث عن مكان مناسب لحفر القبر، ويسعى لإيجاد حلّ لمشكلة مقابر دمشق، تزامنًا مع كثرة الطلبات على القبور، خصوصًا أن أرض المقابر هي أرض وقفية، وليست حكراً على أحد.
مشروع رابح!
مشروع تجارة القبور لدى البعض من السماسرة يعتبر رابحاً، وهو ما جعل بعض الميسورين يدفعون بسخاء مقابل الحصول على قبر ضمن العاصمة دمشق، خاصة المقابر الفاخرة “بالدحداح” أو “باب الصغير”؛ التي يصل سعر بعضها لأكثر من مليوني ل.س، لكن المفاجئ أن يطال ارتفاع الأسعار قبور الأرياف الخارجة عن مناطق النزاع لتصل إلى نصف مليون ل.س، وفي حال كان الميت من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام فسيدفن بالمجان نظراً لوجود مقابر جماعية هناك، إضافة لمساحات شاسعة من الأراضي يمكن الدفن فيها، لكن يؤكد “يوسف الدالاتي” أن الوصول صعب إلى هذه المقابر أحياناً لكونها منطقة اشتباكات.
بطولات ومآثر الفقيد..
يروي “محمد” قصص معاناته بعد دفن والده في مقبرة “باب صغير” قائلاً: أن “الموت ليته ينتهي بالدفن، حتى تأتي أمور أخرى مرهقة مالياً، فالمحلات المترامية على جانب المقبرة، زرتها لتلبيس القبر شاهدة ورخام، تلاها الذهاب إلى مكتب لحجز صالة واستئجار قراء للقرآن الكريم والقهوة والمشروبات، وتجاوزت التكاليف المليوني ليرة تضمنت القبر والشاهدة والقهوة المرة وقراء القرآن وغيرها”، بالمقابل يؤكد علي الأحمد/صاحب محل حفر الرقم، أن “الوضع المادي والبروظة والوجاهة تلعب دوراً في ما يطلبه أهل الفقيد فهناك قبور تصل تكلفتها الأربعة ملايين”، ويوافقه في ذلك “علي محمد” زميله في المهنة التي ورثها عن أجداده إذ يقول: “منذ العهد العثماني كانت هناك قبور تكلف 20 ذهبية”، مضيفاً: أحفر ما يمليه عليه أهل الموتى من آيات قرآنية، أو من بيوت شعر، تتميز بطريقة خاصة في الكتابة، إذ يجب عليها أن تتضمن الأبيات اسم المتوفى الثلاثي، وتاريخ وفاته ومآثره وبطولاته إن أمكن.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث