هل سئمتم مثلي هذه الحياة المليئة بالعنف والقتل،
والكذب؟ هل سئمتم مثلي هذا الإيقاع الكارثي لأيامنا، وهذا النزيف المتواصل
لحياتنا؟ هل يجعلكم التلفزيون بأخباره وتقاريره تشعرون بالقرف؟ هل باتت داعش تشكل
لكم مصدر قلق على مستقبل الكرة الأرضية بأسرها؟ هل أنتم غير قادرين على العودة إلى
حضن الوطن والتباكي مثل سلوم حداد وأيمن زيدان؟ هل تفضلون الموت ألف مرة على أن
يحكمكم آل الأسد مرة أخرى؟ هل تفكرون ليلاً نهاراً في طريقة آمنة للهروب من جحيم
بلادنا العربية والانتقال إلى الضفة الأخرى للمتوسط، وربما أبعد من ذلك بقليل؟.
إذا كنتم وصلتم إلى هذه النتائج كلها، فلا حل أمامكم سوى
أن تتحولوا إلى نوارس، نعم نوارس، فالنوارس تسافر دون جوازات سفر، تطير حيثما
تشاء، وتأكل دون أن يعكر صفوها أحد.
أمضيت ساعتين تقريباً في مراقبة النوارس على شاطئ البحر،
كانت تلهو وهي تقاوم الريح، وتقترب من قوارب الصيادين، دون أن يؤذوها، أو يرفع
أحدهم بندقية لاصطيادها، لأنها ببساطة لا تؤكل، ولا يستفاد منها في شيء، فهي طيور
مهاجرة تصطاد الأسماك الصغيرة، وتحملها إلى صغارها، فتكبر الصغار وتطير، تداعب
الريح، وتمنح الحالمين خيالاً خصباً ليكتبوا عنها بسبب ألوانها، وأصواتها،
وحريتها، وهذا هو الأهم…
كتب مظفر النواب مرة قصيدة “النورس الحزين”
كانت القصيدة تتحدث عن نورس وضع في قفص الدواجن، قفص الدواجن لم يكن سوى اجتماع
عربي، هكذا بكل بساطة، النورس الحزين لم يصدق أنه في قفص الدواجن…
جميعنا لدينا في دواخلنا إحساس نورس حزين بعد أن تحوّلت
ثورة الحرية إلى دكان يبيع من خلاله الناس، ويشترون، وتحوَّل حتى دم الشهداء إلى
بضاعة رخيصة، يمكن من خلالها كسب بضعة دريهمات من هذه الجهة أو تلك، أضف إلى ذلك
أن الكذب صار ملح حياتنا اليومي، فللثورة آباء كثيرون، وللثورة قادة كثر، وكلما
التقيت بشخص تكتشف بعد قليل بأنه هو، وهو فقط من فجر الثورة، وحمل شعلتها الأولى،
هكذا حياتنا بضاعة رخيصة، ودمار حياتنا أيضاً بضاعة رخيصة.
حلمنا أن نحطم قفص الدواجن، ونصير نوارس تبحث عن الحرية،
لكن التجار الكثر حولوا هذا الحلم إلى كابوس، حتى صار البعض يحنُّ إلى أيام قفص
الدواجن، ويتمنّى لو أن باب القفص لم يفتح، وأن الديك ذا الريش الملوّن ما زال
يحكمنا بكل غبائه ووضاعته، حلمنا أن تنبت لنا أجنحة وأن نحلق عالياً، لكن الكثير
من الأيدي امتدت لتسرق أحلامنا، وتنتف ريشنا، وتعيدنا إلى القفص، فأي طائر قد يطي،
ويصير نورساً سيعلم الآخرين أن الحرية أجمل بكثير من التقاط فضلات الطعام التي
تلقى لنا في قفص الذل الذي عشنا فيه طوال عقود آمنين على أنفسنا من قطط الحي
السمينة التي تتحيّن الفرص للانقضاض علينا أنّى يتاح لها المجال، لكن ما إن فتح
باب القفص وخرج بعضنا يجرّب صوته تحت شمس الله الساطعة حتى انقضت ديوك القفص لا
قطط الحي علينا، نقرتنا وقتلتنا لأننا ننشر الحرية. هل يبدو هذا الكلام أشبه بقصة
تحكى لأطفال قبل أن يناموا؟ هل يبدو هذا الكلام رومانسياً إلى درجة أن البعض سيضحك
ويقول: ما هذا الكلام في هذا الوقت تحديداً؟ نعم تحديداً بعد أن تحوّل الواحد منا
إلى ديك يصيح على مزبلة من الدمار، وهو يتأمل حال سوريا الذبيحة من الوريد إلى
الوريد لا بسبب نوارسها بل بسبب ديوكها، فنانون وكتاب وشعراء وصحفيون وسياسيون
وتجار جميعهم كانوا، وما زالوا شركاء في حبسنا وفي صمتنا وفي إذلالنا.
يطير النورس لا كما تطير باقي الطيور يطير فارداً جناحيه
على اتساعهما، يتأمل من أعلاه البحر وهو يرفع رأسه، ويبدو مبتسماً وهو ينقض بلمحة
بصر ليصطاد سمكة واحدة، ويطير بعيداً، ليس قماماً ليجمع البقايا التي يخلفها
الآخرون، وليس داجناً ليركن في قفص ينتظر ما سيطعمه الآخرون، هو يبحث عن طعامه بين
الأمواج، وهو لا يخشى ارتفاع الموج أو انخفاضه، تماماً مثل سوري مغامر رمى وراء
ظهره كل شيء ووقف أعزل أمام دبابة، ومثل سوري مغامر ركب قارباً صغيراً وطاف في
الأرض يبحث عن أرض جديدة، ومثل سوري مغامر ما زال رغم كل هذا الموت قادراً على أن
يعلم الأطفال القراءة والكتابة، ومثل سوري مغامر ما زال رغم هذا الخراب قادراً على
أن يحمل ريشته ويرسم ولو على جدار صغير وروداً صغيرة ملونة ليوهم نفسه أن الربيع
قريب، ومثل سوري مغامر ما زال حتى اليوم قادراً أن يفتح نافذة بيته المهدم، لينظر
إلى البعيد ويحلم أنه صار نورساً وأنه يطير ويطير دون خوف، فالصيادون لا يصطادون
النوارس.
أن تكون طائر نورس هو أن تكون سورياً مؤمناً بالحرية، لا
يهمُّك لا نظام ولا معارضة، لا تعنيك العناوين العريضة أو التفاصيل، لا تكترث
كثيراً بما يكسبه الآخرون، فأنت تكفيك سمكة واحدة، وفي الأخير سيكتب الشعراء عنك
أنت لا عن الدواجن، هل سمعتم عن شاعر كتب قصيدة عن دجاجة مثلاً؟ وسيرسمك الرسامون،
وسيلتقط صورتك المصورون، ولن يكترثوا لأمر الدواجن التي ما زالت قابعة في القفص،
أو تلك التي تبحث عن قفص جديد، وعن ديك جديد يحكمها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث