عبد القادر عبد اللي
احتفت المواقع الإخبارية السورية التي تسمي نفسها ثورية خلال الأسبوع الماضي بزيارة وفد علوي تركي لرئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان بمناسبة “عاشوراء”، معتبرة هذا الأمر خرقاً كبيراً على صعيد العلويين الأتراك. الشيء الجميل في الأمر هو أن هذه المواقع عبرت ولو بشكل غير مباشر عن عدم طائفيتها، وذلك باحتفائها بهذه الزيارة. ولكن غالبيتها أغفل عن قصد أو غير قصد لا أدري، يمكن أن يكون عن جهل ردود الفعل المختلفة التي أعقبت الزيارة، وخاصة الصدام الكبير الذي حصل بين هذه الجمعيات العلوية ورئيس حزب الشعب الجمهوري “الكردي العلوي” كمال قلتشدار أوغلو، ورفع هذه الجمعيات دعوى تعويضات مالية كبيرة ضده لأنه أهانها بحسب تعبير تلك الجمعيات.
بدأنا بالجانب الجميل، ولكن هل للأمر جانب قبيح؟
نعم، لها أكثر من جانب قبيح. الأول أن هذه الأخبار بقدر ما تعكس رفضاً للطائفية، بقدر ما هي طائفية أيضاً في جانب خفي من جوانبها. فمن قال أساساً إن طائفة معينة بكل مكوناتها مع النظام السوري؟ إذا قلتم بأن المجموعات الطائفية معه، فهل المجموعات الفاشية الأوربية والنازيون الجدد في أوروبا يؤيدون النظام السوري من دافع طائفي؟
أما الجانب السلبي الآخر، وهو الذي دفعني لكتابة هذه الأسطر فهو جهلنا بالواقع التركي حتى بعد أربع سنوات من العيش في تركيا، وتعلم كثيرين هذه اللغة، إذ يبدو أننا أصبحنا جميعاً “نموراً في يومها العاشر” بحسب وصف كبير القصاصين السوريين والعرب، زكريا تامر، ولم نعد بحاجة لمروّض لكي يمنعنا عن القراءة والتثقف، فقد أنجز النظام السوري مهمته بالترويض، وأطلقنا..
يقسم العلويّون في تركيا إلى ثلاثة أقسام بحسب انتمائهم العرقي، فهناك علويون أكراد وعلويون عرب وعلويون أتراك. وهم يُسمون أيضاً في تركيا: “النصيريون”. وتختلف ولاءات العلويين السياسية على العموم، فالعلويون الأتراك بغالبيتهم يسيرون بانتمائهم السياسي قرب حزب الحركة القومية، الحزب الذي يعتمد الطورانية مبدأً أيديولوجياً له، وهم عموماً متصالحون مع الدولة التركية طوال الفترة السابقة، والتيار الثاني وهم العلويون الكرد، فغالبيتهم معارضة ليس لأردوغان أو حزب العدالة والتنمية كما يبدون الآن، بل للقومية التركية باعتبارها قومية مسيطرة، وهذا جزء من طموحهم بالحصول على حقوقهم القومية أو استقلالهم، لذلك هناك خط سياسي عام لم يخرج عنه هذا التيار عموماً. وعلى الرغم من ظهور شخصية مثل كمال قلتشدار أوغلو من العلويين الأكراد تقود الحزب الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك الذي يعتبر بناء الدولة مهمة حصرية له، ولا يحق لغيره المساهمة بهذا البناء، فهم في غالبيتهم المطلقة ليسوا مع هذا الحزب، ويصوتون في الانتخابات كلها لمرشحين يتبنون طموحاتهم القومية.
أما المجموعة الثالثة فهي مجموعة العلويين العرب والتي تتواجد في أنطاكية المدينة وقسم كبير من ريفها، ومرسين وقسم صغير من ريفها، وأضنة المدينة، فإن انتماءها السياسي في الحقيقة يتغير بتغير الأحوال والمصالح، وينتقل أحياناً مائة وثمانين درجة، ولكن نهجهم العام يميل نحو حزب الشعب الجمهوري وهذا بيّنٌ من نتائج الانتخابات العديدة التي جرت في تركيا. ففي انتخابات 1983 صوتوا بغالبيتهم للحزب الشعبي، وهو الاسم الآخر لحزب الشعب الجمهوري أثناء حظره من قبل النظام العسكري لانقلاب 12 أيلول 1980، وكذلك الأمر صوتوا في انتخابات عام 1878 للحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي جمع أنصار حزب الشعب الجمهوري الذي بقي محظوراً حتى تلك الفترة، وصوتوا للحزب نفسه في عام 1991، وفي انتخابات عام 1996 انقسمت أصواتهم مع انقسام الحزب إلى كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب اليسار الديمقراطي، ونتيجة النجاح الكبير الذي حققه حزب الحركة القومية في أنطاكية اعتُبر العلويون قد صوتوا لهذا الحزب المتناقض تماماً مع حزب الشعب الجمهوري، كما عزا كثيرون فوز حزب العدالة والتنمية في المحافظة إلى تصويت العلويين لهذا الحزب عام 2002، ومهما يكن فهناك مصالح متنوعة تحكم هذه الجماعة، وهي التي تحدد خياراتها.
لذلك فإن زيارة وفد علوي تركي لأردوغان، وتناولهما وجبة في “عاشوراء”، جذب إليه ردة فعل علوية مناهضة عنيفة من العلويين العرب والكرد على حد سواء، وهنا لابد من الإشارة إلى أن العلويين الذين زاروا أردوغان أيضاً يختلفون معه في فرض ما يُسمونه السياسة الدينية السنية، ويطالبونه باعتماد التعليم الديني العلوي أيضاً تعليماً رسمياً، وإدخال التعاليم العلوية في السياسة الرسمية التركية، ومطلبهم هذا ليس من أردوغان فحسب، بل من أي حكومة يمكن أن تصل إلى السلطة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث