المقنّع الخراساني
أحمد العربي
هو “هاشم بن حكيم”
من أهالي مرو بخراسان- إحدى ولايات إيران حالياً- وهو ما يجمعه، ومن قبله من
الشخصيات المُؤسِّسة للعنف الديني، الأمر الذي يؤكد أن منشأ هذا النوع من العنف ليس
عربياً، وإنما أعجمي، حيث أن استخدام العنف باسم الدين بشكل فرق مسلحة تتخذ شكل
الطوائف الدينية، لم يبدأ إلا مع الدولة العباسية التي اعتمدت على العنصر الأجنبي
في دعوتها، وليس مع الدولة الأموية التي كانت أقرب لشكل الدولة القومية العربية.
اتّصف المقنع كمن سبقه من شخصيات بالذكاء الحاد
بل وزاد عنها بإتقانه لفنون السحر، وما يسمّى اليوم ألعاب الخفة أو الخداع البصري،
فأول دلائل حدة ذكائه هي إخفاء دمامة شكله وقبحه خلف قناع ذهبي، متذرّعاً أمام
الناس بأنه لو كشف وجهه لأُحْرِقوا بنوره، ولهذا سمِّي بالمقنع، وفي سبيل إقناع
أتباعه بما أتى به من دعوة، فقد كان يظهر لهم قمراً، يرى من مسافة شهرين من المسير،
وفي قمره هذا يقول أبو العلاء المعري (أفق إنما البدر المقنع رأسه….ضلالٌ وغيٌ
مثل بدر المقنع)، كما كان يستخدم انعكاس الشمس في المرايا ليضفي نوراً على وجهه
كلما طلب أحد رؤيته دون قناع، وهذا يدل على إتقانه فنون السحر والشعوذة .
لم تخلُ شخصية المقنّع من
جنون العظمة الذي ميز شخصيات المؤسسين للعنف الديني، فادّعى النبوة في بادئ أمره،
فسجنه المنصور ثم أطلق صراحه، ليغير المقنع من استراتيجيته في الوصول إلى القيادة،
من إدعاء النبوة الذي بات كذبة مكشوفة لا تغري أحداً، ليستغل مفهوم الإمامة الشيعي
الحديث نسبياً حينها، والذي يعطيه مجالاً أوسع في طرح النظريات الجديدة، فأسبغ على
مفهوم الإمامة فكراً جديداً على الإسلام والعرب، ولكنه أصيل في ثقافة الحضارات
القديمة ومنها الفارسية، وهو الإمام وكيل الإله بداية ثم الإله المتجسد في شخص
الإمام بدلاً من الحاكم في الحضارات القديمة .
فاستغل نقمة أهالي خراسان
على العباسيين لقتلهم أبي مسلم الخراساني، فادّعى أنه لم يمت أي أبو مسلم، وأن
الإمامة لم تنتقل من أبي العباس السفاح إلى أبي جعفر المنصور، وإنما إلى أبي مسلم،
لذا يجب الخروج على المنصور وقتاله لأنه مغتصب للخلافة، وأن أبا مسلم أوصاه بذلك
عن طريق الوحي.
لقيت تلك الجرعة المخففة والمغلفة بالثأر من
المقنع رواجاً بين أهالي خراسان، فلما كثر أتباعه أعلن عن نظريته كاملة في الإمامة،
وهو أمر لطالما اعتمدته الحركات العنفية، ونعني التدرُّج بالكشف عن النوايا
الحقيقية لكسب الأتباع. فكانت تتلخص نظرية المقنع في أن روح الله كانت في آدم لذلك
سجدت له الملائكة، ثم انتقلت منه إلى ابنه شيت، ثم نوح فإبراهيم فعيسى، ثم النبي
محمد فعلي بن أبي طالب ثم محمد بن الحنفية، فأبي مسلم الخراساني وأخيراً استقرت به،
لذا وجب على أتباعه أن يسجدوا له كما فعل الملائكة لآدم، ومن أبى صار كإبليس
ملعوناً. ولما وجد استجابة لدعواه من أتباعه، واقتناع بما جاء به أعلن ألوهيته، وبحركة
ذكية منه- استفاد منها كل المؤسيين لحركات العنف الدينية بشكل أو بآخر- أسقط
المقنع عن أتباعه الفرائض من صوم وصلاة، وألغى الحلال والحرام، وأعلن التعاليم
المزدكية في إباحة المال والنساء وطبقها على أتباعه، واكتفى بعبادة وحيدة وهي السجود
له حين رؤيته.
وهذا يلحظ في سلوك كل
جماعات العنف الديني المعاصرة، فهي تتهاون في كل العبادات لدرجة إسقاطها عن
أتباعها مكتفية بعبادة وحيدة هي الجهاد، وهذا يلاحظ في سلوك أتباع الدولة
الإسلامية، فهم يفطرون في رمضان بحجة أنهم مجاهدون، ويجوز لهم ذلك، في حين يجلد من
يفطر من سواهم.
لاقت تعاليم المقنع استحسان
أتباعه الذين تجاوز عددهم الثلاثين ألفاً، فخرج بهم على الدولة العباسية وعلى
الإسلام، وأباح لهم دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، فارتكب أتباعه مجازر بحق
قوافل المسلمين، ونهبوها، وسبوا النساء، كما تفعل اليوم الجماعات الإرهابية ذات
الطبيعة الدينية بحق كل من ليس بصفها مذهبياً، أو فكرياً ضمن ذات المذهب، أو حتى
سياسياً، كما يفعل النظام السوري بالمناطق الثائرة عليه. ولما استفحل أمر المقنع،
وبدأ يتوسع إلى مناطق جديدة عبر السيطرة على قلاعها وحصونها، واشتد أمره على قوافل
المسلمين، أرسل الخليفة المهدي له جيشاً كبيراً حاصره وأتباعه في حصنٍ لهم، فلما
يئس المقنع من المقاومة جمع نساءه وغلمانه وقتلهم بالسم، ثم اختار لنفسه بذكاء
شديد نهاية مفتوحة، تترك المجال لأتباعه للاجتهاد في تحويله لأسطورة مقدسة، فأوقد
تنوراً أذاب به النحاس والقطران، وألقى بنفسه فيه فاحترق واختفى، ليدعي أصحابه أنه
لم يمت بل رفع إلى السماء .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث