عبد القادر عبد اللي
عند صدور نتائج الانتخابات الفرعية
الأمريكية هلّل أنصار الحكومة التركية بسقوط أنصار أوباما، ونشر بعض الصحافيين
المتحمّسين عناوين من قبيل: “نجاح مؤيّدي الموقف التركي من القضية
السورية” أو “سقوط معارضي الموقف التركي…” وحتى أكثر العقلانيين
من الكُتّاب في الشؤون الأمريكية أمثال سامي كوهين لم يخفوا بأن نتائج هذه الانتخابات
هي لمصلحة تركيا، وأن أوباما سيضطر لتقديم تنازلات لخصومه السياسيين من أجل تمرير
أي قرار من مجلسي النواب والشيوخ، إذ غدا بحسب التعبير الأمريكي “بطة
عرجاء” على الصعيد السياسي.
هذا الأمر أعطى جرعةَ تفاؤل لمؤيّدي
إقامة منطقة آمنة في الشمال السوري بعد أن تبيّن بوضوح أن إدارة أوباما هي التي
تمنع تأسيسها، وبات البعض يقرؤها على أنها رغبة هذه الإدارة بإعادة نظام الأسد إلى
بيت الطاعة الأمريكية.
بالتوازي مع هذا التطوُّر الأمريكي بدأت
تحرّكات عسكرية كبيرة في المنطقة، ففي شمال الحدود السورية الشمالية عزّز الجيش
التركي حشودَه، واجتمع رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو مع قادة القوات
المسلّحة التركية والمخابرات، وقدّموا له تقديرَ موقف عام بحسب ما صدر عبر القنوات
الرسمية. واعتبرت بعدها مباشرة خطوة موافقة أوباما على إرسال ألف وخمسمئة عسكري
أمريكي إلى العراق (للتدريب) هي أولى المؤشرات على قرب عملية برية للقضاء على ما
أسمته التطرف، وبالتالي القبول بالمنطقة الآمنة.
هناك خط آخر تطوّر فجأة على الطرف
الجنوبي من الحدود السورية التركية، وتحديداً في جبل الزاوية، فقد قامت جبهة
النصرة بعملية في مدخل إدلب الجنوبي بداية، قدمتها بعض وسائل الإعلام على أنها من
أكبر الضربات التي شهدها الشمال السوري حتى الآن. سرعان ما تبين بأنها تندرج ضمن
ما يسمى في الأدبيات الماركسية “الدعاية المسلحة”، إذ بعد تأثير هذه
الدعاية هاجمت النصرة فصيلاً عسكرياً معارضاً و(حررت) المنطقة التي كانت تحت
سيطرته، والتصريحات الرسمية بأن السبب هو أن هذا الفصيل يعمل بأجندة أمريكية، وهذه
أيضاً مقتبسة من الأدبيات الماركسية، ثم تبنتها أدبيات الإمام الفقيه، وأخيراً
ورثتها الفصائل “الجهادية”. يبدو أنها بضاعة ذات خصوصية تجعلها كلما
عتقت ازدادت قيمتُها.
دائماً في السياسة عليك أن تسأل عن
الزمن، فالفصيل المُهاجم موجود في المنطقة منذ فترة طويلة، والمتعرّض للهجوم أيضاً
موجود في المنطقة منذ فترة طويلة، والفصيل المُهاجم مناهض للامبريالية منذ
البداية، ويتّهم الآخرين أنهم عملاء للامبريالية منذ تأسيسهم أيضاً، أليس هناك
رابط بين هذه التحركات والأحداث الأخرى؟
هل من الممكن أن نصدق بأن هذه الأحداث
في (الشمال) حدثت دون أي علاقة بمؤشرات تأسيس منطقة آمنة في (الشمال)؟ من جهة
أخرى، هل إعطاء النظام أولوية استثنائية للشمال، وخاصة في حلب وريف حماة الشمالي
هو أيضاً مصادفة؟ أعتقد أنه من السّذاجة الاعتقاد أن هذه الأحداث كلها أتت مصادفة،
ولا علاقة لها بتطور الوضع السياسي وما استجدّ في الولايات المتحدة الأمريكية.
هناك عبارة سطا عليها النشطاء السوريون –أو
استعاروها- من الأشقاء اللبنانيين حول حربهم الأهلية، وباتوا يستخدمونها عن حربهم
أيضاً، وهي: “حروب الآخرين في سوريا”. هل هي كذلك؟
في عملية تبسيطية للأمور يمكن أن تكون
كذلك، ولكن هل يستطيع الآخرون أن يتحاربوا دون أدوات داخلية؟ هل يمكن للآخرين أن
يتقاتلوا فيما بينهم على أرض أخرى دون جيوش؟ أين الجيوش؟ حتى إذا سلّمنا بأنها حرب
الآخرين على أرض سوريا، فإن الآخرين وجدوا من يقاتل بالنيابة عنهم أيضاً من
السوريين.
حتى عندما نقول حروب الآخرين في سوريا،
من هم الآخرون؟ بالطبع سيجد كثيرون أن هذا السؤال بسيطاً جداً بحيث أن طرحه ساذج
لأنهم معروفون. لكن ثمة غرابة عندما تُعدّد هذه الدول، فالجميع يعدّد الدول التي
عدّدها النظام السوري في اليوم الأول لانطلاق ما كان يُسمَّى حينئذ الثورة. ولكن
هل تعداد هذه الدول يكفي لتفسير القضية؟ هل القضية قضية أسماء أم قضية مشاريع؟
هل يحاول أحد عند تعداد هذه الدول أن
يذكر مشروع كلٍ منها؟ والسؤال الأهم: أيٌّ من هذه المشاريع يريد دولة حقوق، ويريد شيئاً
ولو بسيطاً من تطبيق حرية رأي مع عدم قطع رؤوس وبتر أطراف؟
“حروب الآخرين في سوريا” دون
جيوش الآخرين –باستثناء إيران- قول يُخفي جزءاً من الحقيقة، لأن المتقاتلين
بغالبيتهم سوريون، أو بموافقة السوريين، فلولا النظامُ لما استطاعت إيران أن ترسل
ميليشياتها للقتال في سوريا، ولولا الذين أسمَوا أنفسهم الأنصار لما جاء المهاجرون
أيضاً للقتال في سوريا.
التحرُّك في هذا الزمن، وبهذا التخطيط
هو قرار أحدٍ ما. وإذا قبلنا بأن ما جرى، ويجري في الشمال السوري هو قرار آخرين، فمن
الذي يُنفّذ؟ سأستعير عبارة ابن تيمية عندما كان في سجن القلعة، وطلب منه جلّاده
أن يسامحه لأنه عبد مأمور، فردَّ عليه: “لولاك ما ظلموا”، أقول:
“لولاكم ما قرر الآخرون”…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث