سالم عدلي المحمود
الثورة السورية، وإن لم تظهر نتائجها بعد، لم يشهد تاريخ
سوريا الحديث مثلها عمقاً وشموليةً في مهامها وغاياتها وبالتضحيات التي قدمتها وبمضمون
الحرية التي رفعتها شعاراً وحيداً، لكنَّ هذه الثورة ليست بثورة، نعم هي ليست كذلك،
فهذا ما يراه النظام السوري، إذ لا زعيمٌ يرأسُها، ولا حزبٌ يقودها، ولا فكر ثوري
ينير دربها، أو يوجّه شبابها، وما ممثلوها في النهاية إلا مجموعة من المرتزقة
المرهونة للعدو الخارجي، وأن شبابها ووقودها الذين قدموا دماءهم على مذبحها، بحسب تقييم
كبار رجال الأعمال السوريين حلفاء النظام، وشركائه في الفساد ونهب الدولة والشعب
بآن، ليسوا أكثر من “زعران الريف وسقطته”.
وممّا هو معلوم
أيضاً أن رؤية النظام للمعارضة الداخلية “الوطنية” التي يطيب له أن يعزف
على أوتارها أحياناً، من غير نغم ولا طرب، فليست بأفضل من الأولى، إذ لديها المنطق
ذاته، والطروح ذاتها.
وإذا ما أضفنا
إلى مبررات النظام هذه “رؤيته اليقينية” إلى كل من يطالب بحقٍّ ما مهدور،
تشتم منه روائح السياسة، حتى وإن تطابق المطلب حرفياً مع القوانين المصاغة بعناية تامة
على الورق الصقيل المسمّى دستوراً عاماً للبلاد، والممهور “بخاتم الشعب، وبصمته”،
على أنه، ممّن يوهنون عزيمة الأمة أمام العدو الخارجي المتربّص بالشعب السوري،
وبنظامه “الوطني” وجبهته “التقدمية”. ويقاومون النظام
الاشتراكي الذي جعل رغيف الخبز النظيف حلماً للعامل والفلاح والمواطن المعتّر.. “ذلك
بالطبع ما تنطق به الأحكام القضائية في النظام السوري على مدى خمسين عاماً”.
طيب، إذا كان
الأمر كذلك وهذا هو الواقع فعلاً، إذاً لم يبق للوطن السوري ولقضاياه من مخلص غير
النظام “العتيد” ورجاله “الميامين” الذين “يحمون حماه”،
ولم يبق، كذلك، لمن تبقى من السوريين الشرفاء الذين لم يقتلوا أو يهجروا من ملاذ
غير حضن “الوطن” النظام، ولأن المسألة طالت، واستطالت، ولمّت غباراً،
رغم أنه، أي النظام عشمَّ هؤلاء الشرفاء بإنهائها في وقت لا يتجاوز الأيام أو الأسابيع
على أبعد مدى!
أقول إذا كان الأمر كذلك فتعالوا نرَ، ماذا فعل هذا
النظام؟ نعم، ماذا فعل هؤلاء الميامين قادة وعبيداً في سوريا الشامخة على مدى
الدهر، وفيما تبقّى من شعبها الصامد الصابر على بليته؟!
لن أتحدّث هنا عن أوجاع الناس وأحزانهم بسبب
أعداد القتلى المتزايدة باستمرار، وجلّهم من الأبرياء ولا عمن انسلخ عن هؤلاء
الشرفاء، وتشرّد في المخيمات، وعند أعتاب شعوب الأرض، يتسوّل لقمة الخبز وجرعة الماء،
ولا عن البيوت التي هُدِمَت، ولا عن المنشآت التي خرِّبت وعطِّلت، فذلك كله من فعل
“العصابات المسلحة” التي لا يزال النظام يفتك فيها، فيقتل الآلاف تلو
الآلاف، ولكنها “الملعونة” تتزايد باستمرار وبقدرة قادر، وكأن الله جلَّ
شأنُه هو من يجعلها تتكاثر على هذا النحو المخيف.
المهم لن أتحدث
عما ذكرت، لكنني سآتي فقط على ذكر أرقام صادرة عن مؤسسات دولية متخصصة، تشير إلى
حياة السوريين الآمنين اليوم في حضن “الوطن” النظام، وكم هي بائسة إلى
درجة صار معها هؤلاء الذين تشردوا، وكأنهم في نعيم قياساً إلى إخوتهم الذين ظلوا
تحت رحمة النظام.
بداية تشير
التقارير، وتحديداً مجلة فوربس الأمريكية إلى أنَّ بعض مَن هم في قمة النظام
السوري يملكون ما قدره 122 مليار دولار أمريكي أي ما يعادل نصف موازنة سوريا منذ
عام 1970 وحتى عام 2012 ولو وزعت هذه
الثروة على الشعب السوري لكانت حصة الفرد الواحد تعادل متوسط راتب موظف سوري لمدة
ستة أشهر كاملة، ولأمكن الفقير المعتّر أن يعيش بحصته التي هي واحد على اثنين
وعشرين مليوناً لعدة سنوات. وللمثال فقط فإن تصريحاً لأحد رجال الأعمال السوريين الكبار
“هو بالطبع إنه من عظام الرقبة” يقول في تصريحه مباهياً:
إن إمبراطوريته الاقتصادية استحوذت في العام
2010 على 60% من كتلة الاقتصاد السوري.
في ضوء ذلك التصريح،
يمكن رؤية مآل الاقتصاد السوري، كما يمكن تحسس معيشة الشعب السوري في ظل الحل
الأمني، يقول أحد المسؤولين الاقتصاديين السوريين:
إنه من أصل
1500 مصنع في منطقة الشيخ نجار في حلب لم يتبق منها سوى 150 مصنعاً فقط، وهذا
بالطبع ينسحب على حمص وكذلك على ريف دمشق حيث المنطقتين الصناعيتين الأخريين، ولعل
حال ورش الحرفيين الموجودة أصلاً في مناطق العشوائيات في المدن الكبرى أكثر سوءاً،
ومعظمها يختصّ في صناعة الأحذية والألبسة والأثاث المنزلي والأدوات الكهربائية وميكانيك
السيارات وغير ذلك الكثير.
وتشير التقارير
إلى أنَّ 3.682.000 عامل فقدوا عملهم ما يعني أنه نحو اثني عشر مليوناً قد فقدوا
معيلهم وأن نسبة البطالة قد بلغت 75%، ويشير خبراء للأمم المتحدة في لبنان إلى أن
19%، من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. ويقدّر خبراء الاقتصاد السوريين أن إجمالي
خسارة الاقتصاد السوري حتى العام 2013 قد بلغت 143.3 مليار دولار أمريكي، و 54.3 من
السوريين يعانون الفقر الشديد. ولا تتمايز الأرقام المذكورة مع أرقام المركز
السوري للبحوث والسياسات ولا مع أرقام مجلة الإيكونوميست البريطانية.
أما على صعيد
الخدمات أو التنمية الإنسانية “تعليم، صحة، ازدياد الدخل” فقد انخفضت من
مستوى متوسط إلى ضعيف، إذ إنَّ نسبة التلاميذ الذين لا يتعلمون وصلت إلى 51.8%. أما
في حلب والرقة فقد وصلت نسبتهم إلى90 %. وفي ريف دمشق إلى 68%. وقد وضعت نحو 4000 مدرسة
خارج الخدمة. وفي مجال الصحة فقد تضرر 61 مشفى من أصل 91.
أخيراً ما الذي
يمكن أن تنبئ به هذه الأرقام، وما الذي يمكن أن تتكشف عنه هذه الأوجاع التي تراكمت،
ولا تزال تتراكم في نفوس السوريين، لا شيء غير تجذر الثورة التي “ليست بثورة”
وتأصِّلِها إلى أن تأتي بالحرية الواسعة فتمحو بنورها ظلام الأمس وظلاماته، لتبدأ
فعلاً بإعادة بناء ما تهدّم، ومن ثم السير نحو حياة جديدة أكثر أمناً وهناءة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث