الرئيسية / رأي / الاستراتيجية الفعلية للتّحالف الدولي في دولة الخلافة

الاستراتيجية الفعلية للتّحالف الدولي في دولة الخلافة

عمّار الأحمد
رفض الأمريكان قصف مواقع النظام السوري، وقصفوا ومن الأيام الأولى لحربهم مواقع لداعش والنصرة وأحرار الشام وتنظيم خرسان –الذي لم يسمع به السوريون من قبل- وكذلك لحركة “حزم” المصنّفة في إطار القوى المعتدلة بل، والتي دُعمت من الأمريكان من قبل!
النظام بدوره رحّب بالتحالف، وبغضِّ النظر عن الجدل، هل هناك تنسيق معه بشأن الضربات أم لا؟ ففي الواقع وحتى لحظته، فإن هناك تنسيقاً واقعياً بينهما. الاثنان يتقاسمان سماء سوريا. النظام  يُمطِر بلدات إدلب بالبراميل والصواريخ، ويكاد يدمّر كلّ شيء في سراقب ومعرّة النعمان وكفرزيتا في ريف حماه، عدا الضرب الكارثي للغوطة وهكذا، والضربات الأمريكية تكمّل تدمير البنية التحتية للبلدات، وتقتل المدنيين. وبالتالي كأن أمريكا أراحت النظام من جبهات دير الزور والرقة، ولا سيما بعد فشله في حماية الفرقة 17 ومطار الطبقة وسواه، وبعض المدن والبلدات، وسهلت له مهمة التركيز على مواقع أخرى، كالغوطة وإدلب مثلاً؟!
المواقع المدنية التي استهدفها التحالف، هي مصافي النفط البدائية في الدير والرقة، وتخريب الحقول النفطية والغاز بالعموم، وجزء من البنية التحتية في تلك المدن؛ وقُتلَ عدد من المدنيين ولا سيما في الأيام الأولى. 
هذه الأعمال دفعت كثيراً من السوريين لرفض التحالف، والتفكير بجدواه الآن، ولماذا لم يتشكل من قبل؟  وهناك من راح ينضم لصفوف داعش والنصرة.  أي أن هذا الميل سيسود ما لم تحاصر داعش بقوة، وهذا لن يتحقق دون تدخل بري من قوى التحالف. الفكرة الأخيرة لا تزال بعيدة التحقق، ولا سيما أن هناك خلافاً بين تركيا وأمريكا والدول العربية بخصوص هذه النقطة؛ فتركيا تقترح ذلك وأمريكا وبقية الحلف يرفضون. 
التحالف لم ينسّق عملياته العسكرية في سوريا لا مع الائتلاف الوطني، ولا مع فصائل الجيش الحر، وكأنه لا يعترف بها أبداً. إذاً: هذا التحالف لا علاقة له بأهداف المعارضة ولا بأهداف الثورة. وهو تحالف إمبريالي ولغايات تخصّه، ومنها تصريف السلاح الأمريكي وتنشيط المجمع العسكري الأمريكي. 
الكلام عن الدول “السنية” المشاركة بالحرب ضد داعش وفي سوريا أي ضد إيران “الشيعية”، هدفه دفع المنطقة نحو مزيد من الصراعات الطائفية أكثر فأكثر. إذ أن واحدة من السياسات الأمريكية الدفع بالمنطقة نحو أنظمة طائفية في العراق وسوريا. وبذلك يسود التوتر المستمر بين إيران وتركيا والسعودية ودول المنطقة. هذا ما فعلته أمريكا في العراق بعد 2003 والآن تعيد تكريس السياسة ذاتها في العراق وفي كامل المنطقة.
ونضيف أن الطائفية السياسية هي أحد مخارج أزمات الأنظمة مع شعوبها، حيث يتم تصوير الخلافات بين دول المنطقة –إيران وتركيا والسعودية وإسرائيل- للوعي العام على أساس أنها خطر وجودي ديني؛ إسرائيل أكثر الدول التي عززت الهوية اليهودية والصهيونية كهوية للدولة كي تلغي كلَّ أشكال التمايز الطبقي والاجتماعي والتضييق على تيار السلام فيها.
 والأمر ذاته في إيران، وهناك الطائفية السياسية اللبنانية، والتي هي المخرج للأزمة الاجتماعية المستمرة؛ وهذا مما سيساعد الأمريكان على التحكم من جديد بالمنطقة. 
أمريكا لا توافق المعارضة السورية ولا الجيش الحر أبداً على قضية إسقاط النظام، وهذا عنصر اختلاف مع تركيا وقطر وربما بشكل غير معلن مع السعودية كذلك، والتي تحاول دفع الأمريكان للانتقال إلى خطوة إسقاط النظام، وكانت سبباً خلافياً بينهما في العامين السابقين. 
ولكن هل أمريكا بلا استراتيجية كما يصرّح بعض أقطاب المعارضة السورية؟ 
طبعاً أمريكا ليست دولة غبية، ولا تعمل لحساب هذه الأقطاب، وليست مهتمة بوجودهم أصلاً! فهي من كان يحدد لهم ما عليهم القيام به من قبل. أمريكا لديها استراتيجية أيها السادة.
وهي كما يبدو، وبعد أكثر من شهر على الضربات في سوريا. عدم التعاون مع النظام مؤقتاً، وضرب داعش بشكل مستمر، وربما يتم التوافق على دخول قوات برية تركية وسواها، والسيطرة على المنطقة الشرقية والشمالية، وإقرار منطقة آمنة، وفيها حظر جوي، ويتم بها إعادة اللاجئين من تركيا، ويشاد بناء فيها للحكومة المؤقتة الجديدة ومراكز للجيش الحر.
 وبعد ذلك يتم الدفع بتضييق الخناق على النظام، وهذا ما سيساهم في إجباره على العملية السياسية. هنا كان الاعتقاد أن هذا الظرف قد يسمح بحدوث انقلاب ما في الحكم، ولكن أمريكا كما يبدو ليست مع خيار كهذا، وهي لم تحاول الدفع به أبداً. وبالتالي هي مع خيار إنتاج نظام جديد من المعارضة والنظام الحالي. 
الممانعة الأمريكية للمشروع التركي بإسقاط النظام والضغط على تركيا للاشتراك في الحرب، ووفق الاستراتيجية الأمريكية، التي حاولنا رسمها، ربما ستجبر تركيا، ومجدداً على الرضوخ لها، مع الاعتراف لها بحصة الأسد في أي تغيير قادم. هذه الممانعة تريد إعطاء إيران دوراً في المنطقة كذلك، فهي أدخلتها في التحالف في العراق ولكن دون تنسيق علني.
 وفي سوريا تريد الحفاظ على جزء من حقوقها، وبذلك تضمن استمرار المحادثات بشأن النووي، وهذا ما سيقوّي الخلافات الإقليمية بين دول المنطقة بأكملها. أمريكا تستفيد من هذه الخلافات، وترسم سياستها وفقها، والسعودية وإيران وإسرائيل وتركيا لا تستطيع مجابهة الاستراتيجية الأمريكية هذه.
ما يتم التضحية فيه هي الثورات العربية؛ فلقد صمتت أمريكا عن داعش وعن القاعدة من قبل، وهناك تقارير وتحقيقات ودراسات تقول إنها هي من ساهم بوجود القاعدة وأخواتها وفروعها. وأن وظيفة هذه الجهاديات تدمير الثورات وأحلام الشعوب، وهو ما فعلته القاعدة بالمقاومة العراقية بعد 2003 وهذا ما فعلته جبهة النصرة وداعش وأحرار الشام بالثورة السورية.
إذاً: التحالف الدولي هذا في أساس استراتيجيته تصريف السلاح الأمريكي والقضاء على الثورات بحجّة القضاء على داعش والانتقال بالمنطقة إلى أنظمة طائفية. والأخيرة ستكون سبباً مستمراً لتنظيمات تشبه القاعدة وأخواتها. وقد ظهرت فعلاً ثلاثُ منظمات متطرّفة جديدة، وهي “الأنصار” في الغوطة الشرقية، و”الكفن الأبيض” في دير الزور، وعاد وبقوة “حزب التحرير” التكفيري إلى الشمال السوري.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *