الرئيسية / رأي / كلُّ معممٍ قاتل

كلُّ معممٍ قاتل

ثائر الزعزوع
لو قلنا إنّ عمامتين تحكماننا، فهل نكون قد وضعنا توصيفاً لحالتنا؟ لو قلنا إن عمامةَ حسن نصر الله وعمامة البغدادي هما العمامة نفسها، ولكن بصيغة مختلفة. فهل نكون اختصرنا تاريخنا الحديث كله في هذين الكائنين الغريبين؟ وما هو تاريخنا الحديث أصلاً خارج هاتين العمامتين سوى بعض البساطير والنياشين المزيّفة التي حوّلت بلادنا كلها إلى مستنقعات للجهل والفوضى، وحولتنا إلى رعايا بدل أن نكون مواطنين؟ هل يتذكّر أحدٌ مفكراً أو كاتباً أو شاعراً في زحمة العمامات وهي تقودنا ذات اليمين وذات اليسار، تحرم وتحلّل على هواها؟ هل يسيل لعاب الفضائيات العربية لتمنح مفكّراً ساعة تلفزيونية يقدّم من خلالها رؤية ما وتحليلاً علمياً وعقلياً لما يحدث، أم أنها تفضّل أن تمنح تلك الساعة لمعمّم ليصول، ويجول على هواه، بدءاً بعدنان العرعور وانتهاء بأبي بكر البغدادي خليفتنا الذي انبثق من خلف حجب الظلام، تماماً كما انبثق سابقه سماحة السيد بطل المقاومة المبشِّر بالجنة.
 كلهم يحاربون البغي والشياطين التي تسكننا، فنحن المخطئون الجناة العصاة، حلت علينا لعنة السماء، ولولا قدومهم المحفوف بالضياء لما عرفنا لله سبيلاً. قبل أيام قال أحد الأصدقاء إنه ما زال حياً، لأنه ما زال قادراً على قراءة كارل ماركس في هذه الضوضاء المخيفة، ضوضاء مخيفة حقاً يثيرها هؤلاء المعممون حيثما حلوا، وأينما ارتحلوا، بل حيثما نقل التلفزيون خطاباتهم، حتى وإن كانوا مستترين خلف حجب قوامها آلاف الجنود والأقبية وكاميرات المراقبة، لا البغدادي يستطيع السير في الشارع والاطلاع على أحوال الرعية وهو الخليفة ولا خليفة سواه، ولا سماحة السيد يقدر أن يخرج من جبه العميق ليربت على أكتاف أبنائه المقاتلين الذين يتسربون كل يوم إلى العالم الآخر بينما هو باق، ويتمدد.
 عمامتان باقيتان وتتمددان، فيما يموت الرعايا، اذهبوا وموتوا أيها المبشّرون بالجنة. روي عن الخميني أنه كان يمنح من يحمل بارودة للقتال في صفوف الجيش الإيراني إبان الحرب العراقية الإيرانية بطاقة عبور إلى الجنة، هي عبارة عن ورقة يوقعها بنفسه، فهو خليفة الله على الأرض، كلُّ معمّمٍ يحمل سيف الله، ويقاتل به، كل على طريقته، لكن أياً منهم لم يقل لنا إن الله قال عن نفسه بأنه السلام، لم يقل أيٌّ منهم إن الله خلق لنا الفراشات والزهور، كلهم يقولون لنا إن الله سيحرقنا بناره، وعلينا أن نحترق إن لم نطع معممينا التقاة الورعين المختبئين.
قال خطيب داعشي شاب لمسلمين في يوم جمعة إنه جاء يهديهم للإسلام الحقيقي، وقال نصر الله إنه يبشر مقاتليه بالجنة، وأرسلهم ليقتلوا السوريين، وقال البغدادي إن دولته ستحقق العدل على الأرض، فقطع رؤوس العباد بغير حساب، ورجم نساءنا وهو يقهقه، يريد كل واحد منهم أن يكتب تاريخاً جديداً للقتل، موتوا كي تحيا العمامة، وافتخروا بأنكم تموتون لأجل العمامة.
قال محام شاب إن أكثر ما يؤلمه أنه صدق العرعور في بداية الثورة، كان العرعور يرفع صوته، ويقفز مثل مهرِّج كي يقنع أتباعه بالموت، موتوا موتوا، وكان أحمد حسون مفتي جمهورية الأسد يلوح بإصبعه مهدّداً العالم بأنه سيرسل الناس كي تموت، موتوا موتوا، داعية آخر أحل سفك دمائنا، هناك وهو يجلس متكئاً على أريكة في جنته الصغيرة التي صنعها في إحدى بلاد الكفار والفسوق بنفاقه بينما الناس لا تجد لقيمات الخبز لتطعم أولادها، موتوا ليحيا الإسلام، وهل الإسلام دين يحيا بموت الآخرين؟ هل نسألهم هذا السؤال أم أن دمنا سيصبح مهدوراً؟ وسنصبح مرتدين كفرة؟ 
في الأحاديث أن امرأة دخلت النار في هرّة حبستها، ولم تطعمها، وفي سجون دولة البغدادي ودولة نصر الله يتحوّل الإنسان إلى فأر تجارب يمارس عليه الساديون أنواع العقاب والعذاب كافةً، لأنه تطاول على العمامة، أفلا تستحق هذه العمامة الحرق؟
كان محمد سعيد البوطي عالماَ جليلاً. هكذا كانوا يقولون، لكنه باع نفسه فتفتّت جسدُه بينما كان يدعو الناس ليموتوا فداء سيد الوطن.
كل العمامات تدعونا لنموت، ولا أحد يدعونا لنعيش هذه الحياة، الجنرالات العمامات يصرخون عبر شاشاتهم: موتوا ليحيا الوطن، موتوا لينتصر الإسلام، موتوا لتنتصر المقاومة، موتوا موتوا… وحدهم الشعراء يحبون الحياة، وحدهم الشعراء ما زالوا يحلمون أن يتحوّل العالم إلى ملاذ آمن للفراشات، ولهذا فلا شعراء في بلادنا المحكومة بالسواد.
قال معمم لرجل: طلّق زوجتك، فطلقها، وقال معمم آخر لامرأة: أنت زانية، ورجمها حتى لفظت أنفاسها، قال معمم لصبي: احمل بارودتك، وقاتل، قاتل، حتى تقتل، اقتل من شئت، ولكن لا بدَّ وأن تقتل كي تذهب للجنة. وهناك سترى الحور العين، إن لم تقتل لن تهنأ في حياتك، مت يا ولدي، مت يا حبيبي، فالموت يعني أن تقفز قفزاً في الجنة.
هكذا نكتب سفر الموت، سفراً أبدياً يحكمنا بعمامة شيخ جاهل.
يا هذا السنِّي إن مُتَّ ستحقق حلم الدولة. يا هذا الشيعي إن مُتَّ ستحقق حلم الدولة. ما تلك الدولة التي يبنيها الموتى؟ ومن سيعيش في تلك الدولة أصلاً؟ سوريا تحتاج إلينا أحياء، أوقفوا القتل كي نبني الحياة، قاطعوا المعممين القتلة كي نعيش الحياة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *