الرئيسية / رأي / أكثر من عصفور بحجر واحد

أكثر من عصفور بحجر واحد

عبد القادر عبد اللي

الحقيقة أن المنطقة
الآمنة شمال سوريا صارت بحكم الأمر الواقع، إن لم تكن اليوم فغداً. واللافت أن
الحزب الكردي الممثل في البرلمان التركي، والذي يُعدُّ الجناح السياسي لحزب العمال
الكردستاني صوّت ضد مذكرة الحكومة التي شكّلت الغطاء القانوني لهذه المنطقة بدعم
من التحالف الدولي، ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحد، فقد نُقل عن عبد الله أوجلان
زعيم حزب العمال الكردستاني السجين قوله: “إذا شُكّلت المنطقة الآمنة، يمكن
أن تنتهي مرحلة الحل” ويقصد بالطبع المرحلة التي بدأت لحل القضية الكردية
بالطرق السلمية في إطار الجمهورية التركية، وهذا التصويت والتسريب باسم أوجلان
يشيران إلى معارضة كردية شديدة لدخول تركيا في قوات التحالف الدولي.

من جهة أخرى يقولنائب
وزير خارجية النظام السوري فيصل المقداد بأن “الشعب السوري”
لن يسمح لتركيا بالتدخل. بالطبع هذا الكلام جاء منسجماً مع أصوات لا قيمة لها في
إعلام الولي الفقيه، تندّد بالتّدخُّل، لأن تركيا اشترطت بوضوح أن يتم تدخلها
بموافقة دول التحالف مجتمعة، نعم مجتمعة بما فيها “دولة السيسي”، وإذا
كان المقداد وقادته يتوسّلون من أجل دخولهم في التحالف الدولي ضد داعش، فكيف له أن
يقف ضد ما يسميه التدخل التركي؟

نعم، لقد عقّدت داعش
الأمور كثيراً، وغيّرت الحسابات كلها. لقد حوّلت الثورة السورية إلى أعمال إرهابية
مستنكرة عالمياً، وجعلتها مكروهةً وممجوجةً، وكرهها شعب المنطقة التي تحكمها،
ولعلها لم تجد حلاً لفشلها سوى بالتّمادي أكثر على طريقة النظام، فاستجلبت دخلاً
دولياً. لم يفلح التحالف الدولي بأن يكون مؤثراً لغياب تركيا عنه، وهكذا لم يكن
هناك بد من إدخالها، فحاصرت داعش قبر سليمان شاه مؤسس الدولة العثمانية، وهددت
بنسفه، وقطعت طرق الترانزيت كافة على الشاحنات التركية المتجهة نحو الخليج، وهكذا
نجحت داعش بجر تركيا إلى التحالف الدولي.

نعم، لقد ساهمت تركيا
بمنع سقوط كوباني/ عين العرب حتى لحظة كتابة هذه الأسطر، ولكنها ألم تكن تستطيع
دحر داعش تماماً عن هذه المدينة، وتحول دون هجرة أكثر من مائة وخمسين ألف مواطن
كردي منها؟ لا أحد يعرف، ولكن حسن استقبال هؤلاء اللاجئين في تركيا، ومنع
المتطوعين الأكراد من الالتحاق بأشقائهم لمساندتهم في التصدي لداعش يشير إلى رغبة
تركيا التصرف ببرودة أعصاب، ويمكن تسمية هذا التصرف “إعطاء بي ي دي درساً
مؤلماً قليلاً”. ويبدو أن صالح مسلم قائد هذا الحزب، قرأ الرسالة التركية
جيداً، فسارع إلى زيارة أنقرة في أول أيام عيد الأضحى على الرغم من انشغال
المسؤولين الأتراك بتقاليد العيد، فهل يُقْدِمُ على تصرّف براغماتي بأن يقَدِّمَ
ضمانات فعلية تريح تركيا؟ طبعاً هذه الضمانات تتجاوز قطع العلاقة مع نظام الأسد كما
يُقال في الإعلام، ويمكن أن تصل إلى مشاركة حقيقية لبقية الأكراد، ومنع تفرد هذا
الحزب بالقرار الكردي كما يدّعي معارضوه.

على الرغم من الضغط
الشديد التي عاشته تركيا خلال السنوات الثلاث ونصف السنة الماضية نتيجة ما يجري
جنوبها في كل من سوريا والعراق، وتكبّدها خسائر كبرى مادية ومعنوية، فهناك في
الأفق يلوح أمل جديد لها. يتجلى هذا الأمل بحاجة التحالف الدولي الماسة لها. ونحن
نرى التطورات المتلاحقة، فبعد اتهام نائب الرئيس الأمريكي لتركيا بدعم داعش
والجماعات المتطرفة الأخرى، والردّ الحادّ الذي ردّه أرضوغان، اتصل بايدن، واعتذر
من أرضوغان. لماذا يتنازل بايدن، ويقدم اعتذاراً؟ لا أحد يريد خوض معارك مفتوحة
على الزمان، وأكثر الخائفين من هذا الأمر هم الأمريكان، ولكي يكون هذا الزمان
محدوداً لابد من مشاركة تركيا.

قرأت أنقرة التطوُّرات
جيداً، وعلى الرغم من رفض التحالف الدولي أن يكون التّدخُّل مؤثراً على الأسد،
وجدت تركيا المنطقة الآمنة بداية التأثير الفعلي على هذا النظام، ويبدو أنها
انتزعت موافقة الدول الحليفة على تشكيل هذه المنطقة التي ستكون يافطة التحالف
الدولي هي التي تضمن أو تشرف على إدارتها. لعل هذا يذكّر بيافطة قوات الرّدع
العربية التي دخلت لبنان، وثمّة دولةٌ واحدةٌ تحت تلك اليافطة.

يبدو أن تركيا قرأت
الأحداث هذه المرة جيداً، والنّداء الذي أطلقته قبل أكثر من ثلاث سنوات بأنها تريد
غطاء دولياً في سوريا، وجد صداه بعد أكثر من مائة وخمسين ألف شهيد سوري وملايين
المهجرين. فرض المنطقة الآمنة بالنسبة إليها يعني ثلاثة عصافير على الأقل بحجر
واحد: “منع قيام دولة كردية أو تفرُّد حزب كردي بالحكم في الشمال،وعودة لا
يقلُّ عن نصف اللاجئين على أراضيها خلال فترة قصيرة،وتوجيه أول ضربة حقيقية مؤلمة لما
يسمى النظام السوري”

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *