ميسون شقير/
كظل يبحث عن قامته، لم نزل نبحث عنك. وكضوء ينعكس في كل ما مر به قبل أن يغيب، تعود ملامحك وكلماتك لتظهر في ذاكرتنا وتضيء لنا حتى في غيابك، ما تبقى لنا من هذي الطريق.
مزيج رائع من الألفة الطاغية والرؤية العميقة هو أنت، مزيج من المعرفة الواسعة والحب الطافح هو أنت. بكل ما فيك، تشبه هذه الثورة العادلة اليتيمة؛ فأنت حقيقي مثلها، شامل مثلها، ومختلف مثلها أيضا. ومثلها، أنت طيف جامع لكل الألوان. وبرغم كونك لست سوريا، فقد كنت السوري الأصدق المخطوف في سوريا. ومثلها أيضا، أنت الشخص الذي حاول أن يبقى نقيا لآخر لحظة، ومثلها أيضا أنت الواثق بعدالة ما يفعل، وأنت الذاهب برجليه إلى النقاط السوداء كي يحاورهم، وأنت المعتقل، وربما أنت المقتول. لكنك مثل هذه الثورة، خُطفت من بين أيدينا بسبب رايات سوداء سوقها هذا النظام كي يشوهنا، ودعمها هذا العالم الذي لم يزل يبحث عن عدو لأسلحته كي لا تصدأ.
أنت الأب الذي ربي فينا أولاد الحب الذين لم ينجبهم، والذي ربى هؤلاء الأولاد جيدا برغم يتمهم، والذي وهب لهم ما كان له من حياة.
أنت الأب باولو، صاحب تلك الإطلالة السمحة، وصاحب ذاك الصوت الذي له طعم الأحلام، هو ذاك الهدوء النابع من الحكمة، وتلك الحكمة النابعة من الجوهر.
نذكر أننا قبل أن تبدأ هذه الثورة اليتيمة، ومنذ ما يزيد عن عشر سنوات، لم نكن قبل أن نسمع عنك نفكر بالذهاب يوما إلى دير مار موسى، ولم نكن لنتخيل أننا حين سنذهب إلى ذلك الدير الذي اكتشفته بنفسك، والذي أعدت إحياءه بروحك، ليصير المكان الأجمل لحوار الحضارات، لم نكن نصدق إننا سنتمكن من أن نعيش يوما تجربة ستكون من أهم تجارب حياتنا، وأغناها، وأن نعايش الأب المسيحي الذي حاز على شهادة الدكتوراه عن رسالة قدمها حول الأمل في الإسلام، وأن نبقى لأسبوع كامل في ذاك الدير معك، وأن نكتشف في ذاك الأسبوع، كل صباح، أنفسنا بطريقة جديدة، قبل أن نكتشف حجم الإنسان الساكن داخلك يا أيها الرجل الجميل، وأن نأوي إلى فراشنا السماوي كل ليلة، وقد ازداد الأخضر في حدائق الروح كثيرا، ونما البنفسج على زاوية القلب.
كنت تأتي إلينا خفيفا كأول نسيم ربيعي مباغت، تجلس كغيمة، تخاطبنا كأنك تخاطب الحياة فينا، ثم تحترم كل ردة فعل منا كأنها الأمثل، توافينا بتقدير لما نقول، ثم تضيف ما تريد بعد أن تفرش بذكائك الطريق إلى روحنا وعقلنا، عندها تمشي أفكارك إلينا واثقة مثلك، بك وبنا وبنفسها وبالطريق.
ماذا يمكن أن نقول لك يا أيها الأب الجميل، وقد حملت في دمك وجع المظلومين، وحملت حمل السوري الشهيد، وحمل صوته الذي تخلى عنه كل العالم، لقد حملته في كل كلمة عادلة أصريت على قولها في كل وسائل الإعلام، في الرسالة التي وجهتها للمبعوث ألأممي، والتي أصريت فيها على تعريف العالم بحقيقة ما يحصل، مثلما أصريت دائما على الحفاظ على نقاء هذا الصوت السوري، وحاولت بكل ما تمتلك من دماثة أن تحميه من نفسه كي يبقى قويا بعدالته. ماذا نقول لك، وقد دافعت عن السوري فينا أكثر من السوريين، وعما يمتلكه هذا السوري من حضارة طاعنة القدم والجمال، وقلت لكل العالم عن الملاحم التي قدمها هذا السوري ليصير مسيح هذا القرن الذي صلب ألف مرة.
ننتظرك يا أيها الجميل الذي سيبقى فينا، ننتظرك كثيرا
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث