أحمد العربي
يبدو أن جعبة القدر لاتزال
مليئة بطرق جديدة لقتل السوريين، من القصف إلى الكيماوي ثم اللقاحات، أية قناعات
تلك التي ستترسخ في أذهان أطفال سوريا، وقد قلبت هذه الحرب كل المفاهيم، ولم يعد
لهم حلم في هذه الحياة سوى الهروب من شبح الموت الذي بات يطاردهم في كل مكان.
لقد هز الموت، بتفننه
باستخدام وسائل حصد أرواح أطفال سوريا كل المفاهيم الراسخة في عقولهم. بدءاً من
الصورة النمطية التي ألفوها لرجل الأمن الذي يجب أن يعني الملاذ الآمن لهم،
ويحميهم فإذا به يقتلهم، ويعذبهم، ويتحول كما في أردأ الأفلام الهوليودية إلى وحش
كاسر يخرج من بزة الشرطي ليلتهم الأطفال.
وتلك الطائرة الحربية التي
لطالما ركضوا خلفها، معلقين أعينهم بها منتظرين لما ستلقيه عليهم من مناشير في
الأعياد الوطنية، وكل منهم يحلم أن يقودها يوماً، صارت تلقي عليهم البراميل
المتفجرة وبدون مناسبة وطنية، فتحول أصحاب الحظ السيّئ منهم إلى طيارين بدون
طائرة، يرتقون شهداء إلى السماء ولمرة واحدة فقط .
ثم المنزل الذي كان بالنسبة
لهم حصناً للأحلام يحميها، ويحميهم، ويجمعهم وأهلهم حول مدفأة ومائدة طعام شهية،
ليتحول بعد ذلك لقبر يدفنون تحته، وكومة أنقاض تشبه كومة أحلامهم التي دمرتها
الحرب.
الأسرة بما فيها من أب وأم
وأخوة وأقرباء، لم تعد بالنسبة للطفل السوري تعني سوى أشباح تزوره خلال النوم على
شكل ذكرى جميلة، لأب مقتول كان يعطيه العيدية في العيد، أو صدى ضحكات مع أخٍ اعتقل
أو قتل أو ..أو.. ، وأم إن كانت لا تزال على قيد الحياة، فقد جفف الحزن والألم
منابع الحنان بداخلها.
ذاك البحر الأزرق الذي
طالما رسموه على دفاترهم، وفيه قارب جميل وشمس ذهبية وبعض الأسماك، تتقافز مع
أمواجه في لوحة سريالية حلموا بها، ليكشف لهم الواقع أن بحر السوريين هو ذاك البحر
في القصص الإغريقية الذي يتطلب بطلاً ملحمياً نصفه إله ونصفه إنسان، ليخوض غماره
ويصل إلى بر الأمان. لكنهم بشر، وليسوا أنصاف آلهة، فابتلعهم البحر بمائه وليس حتى
بحوت من حيتانه، فلو كان ذلك لاستطاعوا النجاة فكلهم يحفظ قصة يونس، ولقالوا
” اللهم ارحمنا إنا كنا من المظلومين” .
حتى اللقاحات، التي اعتادوا
أن يسبق موعدها حملات إعلامية، مليئة بالصور الجميلة لأطفال أصحاء، وأغانٍ طالما
حفظوها، ومراكز جميلة وأطباء مبتسمين، يسلمهم الطفل ذراعه فرحاً ليأخذ لقاحاً يضمن
له أن يشب قوياً معافى، باتت سماً يقتلهم وينهي أحلامهم.
أما عن اللحية التي مثلت
لهم مشهدين راسخين، أولهما: بابا نويل، وحلم الهدايا التي سيجدونها عندما يستقيظون
تحت الوسادة، وثانيهما: رجل الدين الوقور الرحيم الذي يعطف على الأطفال ويحبهم،
ويعلمهم الخير ويحارب الشر، قلبت الحرب حتى مفهوم اللحية، فبابا نويل أصبح كافراً،
ورجل الدين استبدل سبحته بسوط للجلد وسكين لقطع الرؤوس.
دمرت الحرب في جملة ما دمّرته
من سوريا، أحلام أطفالها والصور الجميلة للحياة المعلقة على جدران الذاكرة كما
دمرت جدران المنازل، بما تحتويه من صور وذكريات، واستبدلتها بصورة مأساوية لواقع
قذر، وعيه أطفال سوريا باكراً حتى أنهم باتوا يضحكون ساخرين عندما يذكرهم أحد
أمراء الحرب في خطابه مبرراً ما يقترفه من آثام
بتأمين مستقبل أفضل لهم، وكأن لسان حالهم يقول، ” أي مستقبل لبلد
أطفاله بلا أحلام”؟؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث