الرئيسية / رأي / سلعة الحرب على الإرهاب

سلعة الحرب على الإرهاب

ثائر الزعزوع
في العام 2001 وعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، أطلق الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حربه العالمية على الإرهاب، وقد حشد وراءه تحالفاً دولياً كبيراً، وقال وقتها مقولته الشهيرة: “من ليس معنا فهو ضدنا”، وقد نتج عن حربه التي استمرت حتى يومنا هذا تدمير بلدين هما العراق وأفغانستان وإنتاج عشرات الآلاف من “الإرهابيين” العالميين، الذين نكتشف لدى مراجعة سِيَرِهم الذاتية أنهم إمّا تلقوا تعليمهم في الغرب المعتدل، أو أنهم يحملون جنسية إحدى الدول التي تمثل رأس الحربة في الحرب على الإرهاب، مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، أو أنهم وفي أضعف الإيمان قد اُعتُقلوا في سجن أميركي لسنة أو سنتين، ثم خرجوا بعدها ليصبحوا نجوماً في عالم الإرهاب، مثل صاحبنا البغدادي الخليفة الذي تدور كثير من الشكوك حوله، وحول تبعيته المباشرة للمخابرات الأميركية، بل إن بعض المواقع نشرت له صورة، لم يتم التأكد منها، وهي تظهره يعمل “بودي جارد” لدى نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني، خلال زيارة قام بها إلى العراق، صيف العام 2005، المهم أن حرب أميركا على الإرهاب لم تتوقف، وقد كتب كتاب أميركيون كثر يتقدّمهم المفكّر الأبرز في زماننا الحديث وعالم الألسنيات الأشهر نعوم تشومسكي لا مقالات بل كتباً تثبت بالأدلة أن الولايات المتحدة هي المصنّع الرئيس لكل الإرهاب العالمي، لعل من أشهر تلك الكتب “أميركا، الدولة المارقة”، وقد وجه المخرج السينمائي الأميركي مايكل مور أصابع الاتهام إلى إدارة بوش وحمّلها المسؤولية كاملة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واعتبر مور في فيلمه فهرنهايت 11-9 أن إدارة بوش افتعلت تلك التفجيرات لتخرج من حالة الجمود التي كانت تعيشها، ولتهرب من أزمتها الاقتصادية القاتلة، والتي لم تتخلص منها رغم المحصول الكبير الذي جنته من خلال بيع الأسلحة، وتصدير الخبراء العسكريين والمرتزقة، إلا أن خسائرها مستمرة، وامتدت إلى عصر الرئيس أوباما الذي قدم سلسلة من الوعود قبيل انتخابه، كان من أبرزها تصحيح أخطاء سلفه، فبادر للانسحاب من العراق، وهو يعدُّ العدة للانسحاب من أفغانستان، لكن كل ذلك لم يسهم لا في إكسابه شعبية، ولا في تعديل العجز الحاصل في الاقتصاد الأميركي، ورغم المحاولات الإسعافية التي قدمتها بعض الدول العربية لهذا الاقتصاد إلا أن لا شيء تغير، كما تشير الأرقام.
في العام 2011 وعقب اندلاع الثورة السورية ضد نظام آل الأسد، استخدم بشار الأسد المفردات نفسها التي استخدمها جورج بوش، وهو لوّح بإصبعه وقال إنه لا وجود للون الرمادي، فإما أبيض وإما أسود، فمن لم يكن معنا في حربنا على “الإرهاب” فهو إرهابي بالضرورة، وهكذا انقسم السوريون قبيل نهاية العام 2011 إلى قسمين اثنين إرهابيين، أو وطنيين، تماماً كما انقسم العالم إبان حقبة بوش إلى إرهابيين ومعتدلين، وقد اعتقل الكثيرون منا بتهمة دعم الإرهاب الذي أنشأ له النظام السوري محكمة خاصة يحاكم فيها الناس جميعاً، من بين الذين عرضوا على محكمة الإرهاب مؤخراً الممثلة ليلى عوض، والممثلة سمر كوكش، كما أن زميلنا الصحفي مازن درويش يقبع في معتقله منذ قرابة ثلاث سنوات بتهمة دعم الإرهاب، وقد قصفت مدن وقرى ودمرت مستشفيات ومدارس واستخدم السلاح الكيماوي أكثر من عشرين مرة كل ذلك لمحاربة الإرهاب، تماماً بالطريقة نفسها التي أدار فيها جورج بوش حربه على الإرهاب، فقد انتهى العراق، وانهار اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وعاد إلى الوراء عشرات، إن لم نقل مئات السنين، كي يسحق بوش الإرهاب، فكانت النتيجة كما أسلفنا أن تحول العراق إلى واحد من أخطر الدول المصدرة للإرهاب في العالم، وقد تشكلت بذور الدولة الإسلامية التي ستتحول فيما بعد إلى “داعش” تحت أنظار المحتل الأميركي، وهو الذي تركها لتعيث فساداً في العراق، وها هو أوباما يعود الآن إلى العراق جواً وبراً وبحراً، لينهي سطوة “داعش” وقد حشد “صائد الذباب” المتردد دولاً حوله، وصار قائداً لتحالف دولي جديد لمحاربة الإرهاب، لكنه أسقط “الأسد” من تحالفه، واعتبره لا يقل خطراً عن “داعش” وهو الشيء الوحيد الذي قاله أوباما وماكينته الإعلامية، وكانوا صادقين به، والحقيقة أن دمشق كانت قد أبدت وعلى لسان وزير خارجيتها أنها مستعدة لتفتح أجواءها وبرَّها وبحرَها، وهي لا تسيطر على أي شيء منها، لتتعاون في مكافحة الإرهاب، وقد أغضبها ألا يأخذها أوباما “تحت إبطه” كما نقول في العامية، فبدأت سريعاً حربها على حرب أوباما، وأفردت ساعات بث قنواتها التلفزيونية وصفحات صحفها لتتحدث عن “غباء” و”عنجهية” و”فشل” الإدارة الأميركية، وأقسمت “تشرين” أن حرب أوباما ستفشل، لأنها لا يمكن أن تنجح دون الاستعانة بالخبرة السورية في مكافحة الإرهاب، وكي نختصر على “تشرين” وسواها، فإن النظام العالمي الجديد، بكل سيئاته وخرابه الذي يجلبه لا على منطقتنا فحسب بل على العالم بأسره، هو نظام أسقط الأسد من حساباته كلياً، ولو أن “المعارضة” الفاشلة قدمت بديلاً عن “سيدهم” لما ترددوا لحظة في إسقاطه، والتخلص منهم كما تخلصوا من كثيرين قبله، فالأسد باق لا لأنه يحارب الإرهاب كما يزعم، فهو رأس الإرهاب، ولكنه باق على كرسيه، لأن النظام العالمي لم يقرر انتهاء صلاحيته بعد، افهموها، واستوعبوها، وتستمر الكوميديا. 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *