الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / السويداء خارج الخارطة

السويداء خارج الخارطة

  هيثم السرياني
عمل النظام السوري منذ تولّي الأسد الأب الحكم على عزل الشارع السوري كاملاً عن السياسة، وأحكم قبضته الأمنية بشكل كبير على كل أشكال العمل السياسي، وفي الوقت عينه أسّس بشكل غير معلن لتقسيم سياسي اقتصادي على أسس طائفية ومناطقية.
كان لمحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية الشكل الأكثر قسوة من هذا التقسيم إذ شملت سياسة الأسد تجاهها إضافة للعزل السياسي  حالة تفقير ممنهج، خصص نظام الأسد للدروز وزارة الإدارة المحلية حصراً ومن الرتب العسكرية العالية رتبتي لواء وعدد العمداء كان محدوداً،  ولا يشغلون مواقع قريبة من مركز القرار.
الحوالات الواردة من المغتربين تشكل جزءاً كبيراً من اقتصاد المحافظة، فالدولة لم تنشئ في السويداء مصانع كبيرة، ولم تسمح في الوقت نفسة للقطاع الخاص بالاستثمار الصناعي المجدي والذي يوفر فرص عمل على نطاق واسع كما أنها لم تنفذ مشاريع تنموية تشغل اليد العاملة، أو تقدّم دعماً منطقياً للمزارع لتحسين الإنتاج الزراعي، فالعمل في هذه المحافظة كان مقتصراً على التوظيف في المؤسسات العامة أو الالتحاق بصفوف الجيش والشرطة طمعاً بالراتب، أو العمل في معامل صغيرة لإنتاج مواد البناء.
وفق الإحصائيات السكانية يبلغ عدد أبناء السويداء المسجّلين قرابة 950000 نسمة، يقيم منهم 380000 نسمة فقط في المحافظة أي أقل من النصف، الباقي موزعون بين دول الاغتراب وهم النسبة العظمى وبين باقي محافظات القطر.
عمل النظام بشكل عام على إفراغ المحافظة من ثقلها السكاني والاقتصادي وعزلها سياسياً بطريقة ممنهجة دون اللجوء لطرق قد تخلق حالة احتقان عام يولد ردود أفعال عنيفة من أبناء المحافظة .
 مع بدء الثورة السورية عام 2011 حصد النظام بعضاً ممّا زرعه، حيث أخذ الحراك الثوري في السويداء شكلاً نخبوياً قام على عاتق نخبة من المثقفين والمتعلمين والطلبة، وبعض الشباب المتحمّس، لكنه لم يكبر ليأخذ شكل حراك شعبي واسع على غرار مناطق أخرى، فسهل على النظام قمعه، وخلق مُعادلاً له من أبناء المحافظة.
ويعزو ناشطون ذلك لعدة عوامل منها حجم الاغتراب الكبير بين أبناء المحافظة- فقد أفرغها من طاقاتها المتمثلة بالشباب- وارتباط عدد كبير من أبنائها المقيمين فيها بوظائف الدولة التي تعتبر مصدر رزقهم الوحيد، وأن أي فعل ثوري قد يقوم به موظف سيكون الثمن قطع رزق عياله. إضافة إلى عجز إعلام المعارضة وخطابها السياسي عن دحض نظرية النظام التي روج لها منذ البداية بأن الثورة هي فعل جماعات سلفية إرهابية، وأنه حامي الأقليات الدينية.
لم يستسلم الناشطون بالسويداء للأمر الواقع محاولين دائماً تفعيل الحراك، فشهدت المحافظة على أيديهم أول اعتصام نقابي في سوريا نفذته نقابة المحامين في 19 تموز 2011 ثم أعقبه اعتصام نقابة المهندسين في 18 كانون أول من العام نفسه، كما أسسوا صندوقاً مالياً لدعم الثورة يعتبر الأول من نوعه لجمع التبرعات وإرسالها للمناطق المنكوبة وتجمع القوى الوطنية في السويداء كهيكل يحاول تنظيم العمل والتنسيق بين العمل السياسي والعسكري إضافة للمظاهرات التي كان أولها في 14 نيسان 2011، أي بعد أقل من شهر على بدء الثورة.
من الجدير ذكره أن عدداً من أبناء المحافظة التحقوا بصفوف الجيش الحر سواء كأفراد أو ضباط منشقين قاتلوا في درعا وإدلب وريف دمشق منهم من أسس كتائب، ومنهم من قاتل كعنصر في كتيبة، ولم يكن هذا الحراك على تواضعه من وجهة نظر الكثيرين بمعزل عن قمع النظام فقد أودت حملات الاعتقال والموت التعذيب بحياة أكثر من 30 شهيداً من أبناء المحافظة، وفي الوقت نفسه لم يلق هذا العمل دعماً سياسياً أو مادياً من هيئات المعارضة في الخارج خاصة مع سيطرة الطائفية السياسية على العمل السياسي للمعارضة، ليصبح العمل الثوري في السويداء محاصراً بين قمع النظام وإهمال المعارضة له.
وقد عمل النظام عدة مرات مستفيداً من هذا الواقع على إثارة النعرات الطائفية بين الدروز وجيرانهم السُّنَّة في درعا بهدف حشد الطائفة لمصلحته دافعاً بذلك الزعامات التقليدية والشخصيات الدينية الموصوفة بميولها للنظام لواجهة العمل في السويداء، دون أن تقوم المعارضة السياسية بأي عمل يساعد الناشطين الوطنيين على مواجهة هذا الفعل بل اكتفت بالنظر كمراقب خارجي، واصفة السويداء أنها منطقة موالية رغم معرفتها بوجود (400000) نازح يقيمون فيها وأي تصعيد طائفي سينعكس سلباً على وجودهم فيها.
الآن بعد مضي ثلاث سنوات ونصف السنة على بدء الثورة لم تخرج السويداء من دائرة الكلام عن مستقبل الأقليات ومكانها السياسي والاجتماعي في المستقبل، وتبقى المشكلة عند الكثيرين من أبنائها كباقي الأقليات مشكلة وجود لا مشكلة وطن في ظل ما وصل إليه واقع الثورة وظهور ملامح الحرب الأهلية عليها.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *