غيرت الثورة السورية اليتيمة الحالة الثقافية للإنسان العربي، وأعادت إنتاج حالة من السؤال وحالة من الإبداع الحر الذي أنتجه سوريو الاغتراب كمارد خرج من ذاك القمم.
وقد أعادت هذه الثورة أيضا الروايات القديمة التي تناولت بعمق حالة سجين الرأي في هذه المكان من العالم، والذي يسمى سوريا. فها هي رواية “القوقعة” للكاتب السوري مصطفى خليفة، الصادرة عن دار الآداب عام 2008، تصنف من الروايات الأكثر مبيعا في معرض أبو ظبي للكتاب 2016، الذي انتهى الأسبوع الماضي، والذي يعد من أهم معارض الكتاب العربية من حيث عدد الدور المشاركة، ومن حيث عدد وتنوع الكتب المعروضة، ومن حيث الفعاليات الثقافية المرافقة له، والتي حولته إلى حدث ثقافي سنوي مميز.
مصطفى خليفة كاتب سوري عاش تجربة الاعتقال السياسي الطويل، فقد اعتقل أكثر من اثني عشر عاما بسبب انتمائه لأحد فصائل الحزب الشيوعي المحظورة، وتنقل بين معتقلات الأمن السياسي في دمشق ثم سجن صيدنايا، وأمضى بعدها عشر سنوات كاملة في سجن تدمر ذائع الصيت، ونال في تلك السجون حصته كاملة من التعذيب والقهر الذي يفوق قدرة الإنسان على التحمل. وقد كتب خليفة رواية القوقعة محاولا فيها تعريف العالم بحجم القسوة التي تمارس على معتقلي الرأي في سجون الأنظمة الدكتاتورية، وتعريف القارئ بحجم الفقد الذي يسكن روح السجين السياسي؛ فقد الحياة، وفقد الرغبة فيها بكل تفاصيلها، فقد الأمل الذي يتعربش على أرواح السجناء، والذي يحولهم إلى أشباح، فقد القدرة على الحب بعد كل هذا القهر الإنساني، وبعد كل هذا القتل لكل منابت الحب في داخل هذا الكائن، مما يحوله ودون أن يشعر، إلى مومياء متحركة ستتفرج دائما على الحياة دون أن تعيشها.
وقد كان ذكاء الكاتب في جعل بطل القوقعة مخرجا سوريا مسيحيا يدرس الإخراج في فرنسا ويقرر العودة إلى سوريا لأن “كل شارع فيها يشكل له عالمه الحقيقي”، كما قال مقنعا صديقته الفرنسية التي تحاول منعه. وعند وصوله المطار السوري، يتم اعتقاله بتهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين التي نشطت في الثمانينات في سوريا، والتي قام النظام السوري بقتل أكثر من خمسين ألف شخص في مدينة حماة للقضاء عليها.
في القوقعة يروي مصطفى خليفة تفاصيل جلسات التحقيق، والتي هي جلسات وصول للموت وتجريبه، ثم العودة إلى الحياة الميتة في السجن. ويروي غربته المضاعفة التي عاشها، بسبب النبذ البدائي له من قبل السجناء لأنه مسيحي، واعتبارهم أنه عنصر أمن وضعه النظام بينهم، ومرورا بتفاصيل قتل الحياة في السجن. يقدم خليفة التغير الذي يحصل على السجناء المسلمين تجاهه، والتغير الذي يحصل فيه تجاههم بطريقة صادقة وعميقة تجعلنا نعرف أنه بالرغم من أي اختلاف سياسي فإن الحقيقية التي تبقى في الإنسان هي إنسانيته، التي تسعى كل الأنظمة الدكتاتورية لقتلها. وتعلو الحالة الإنسانية حين يقوم أحد السجناء المنتمي للإخوان المسلمين بمساعدته على استمرار الحياة بعد جلسة تعذيب لا توصف، حيث يقدم له هذا السجين حرامه الوحيد ويبيت يومين على البلاط.
كما يصف خليفة حالات من الإذلال الحقيقي كانت وما زلت تمارس في السجون السورية، كأن يجبر السجين على تناول فأر ميت، وحين يتناوله ثم يصرخ بأنه فقط يريد ماء ليشرب ولا يسمح لأحد بإعطائه. في الرواية أيضا، يصلي البطل المسيحي الماركسي مع السجناء صلاة الغائب الإسلامية على روح كل سجين يعدم أو يموت تحت التعذيب، وحين يخرج البطل من السجن ويجد والدته قد رحلت، يذهب إلى قبرها ويصلي لها هذه الصلاة.
“القوقعة” رواية تدخلك في قوقعتها، ولا تسمح لك أبدا بالخروج منها، تجعل حالة من المرارة تسكن قلبك، وتجعلك تعرف أننا جميعا أينما كنا، نعيش في هذه القوقعة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث