أحمد العربي
تُعدُّ مشكلة الشباب في العالم العربي إحدى القضايا الهامة، والأساسية باعتبار الشباب الرصيد الاستراتيجي والثروة الحقيقية التي تتشكّل بمرورِ الزَّمن.
مشكلة الشباب تنبع بالأساس من خللٍ في سياسات التنمية والإعلام والتشغيل والتربية والتعليم، والتنشئة الاجتماعية والسياسية، وحينما يغيبُ دورُ الشباب عن ساحـة المجتمع أو يُساء ممارسته، تتسارع إلى الأمة بوادر الرُّكود، وتعبث بهـا أيادي الانحطاط، وتتوقّف عجلةُ التقدم.
واقع الشباب في العالم العربي يواجه جملةً من الأزمات، فقد أدّت المتغيّرات الاجتماعية في العصر الحديث إلى خلل في الأسرة العربية الإسلامية،بعد غزو الثقافات الوافدة من الغرب التي أدّت بدورها إلى بعض التَّصدُّعات داخل الأسرة،الأمر الذي غيّرَ من شكل العلاقات الأسرية والاجتماعية. حيث أصبحت العلاقة بين الأسر وأعضائها علاقةَ جوارٍ وقتيٍّ عند النوم وأحياناً عند الطعام.
الفجوة بين الواقع والمبادئ هي من أهمِّ القضايا الإشكالية التي تهم الشباب، ذلك أنّه وجد نفسه يحمل مجموعةً من القيم والعادات والتقاليد والتصورات والأفكار، التي لا يستطيع أن يدخل بها العالم المعاصر بتغيراته ووسائله وأدواته الآخذة في التغير المستمر، لذا يعيش الشباب العربي في الصراع بين محاولة التّمسُّك بالقيم الدينية والروحية،وبين مجريات العصر وفِتَنِه.
يدفع الشبابُ العربيُّ من أصحاب الحظ السيّئ الذين اختارهم القدر ليولَدوا في عصر الانحطاط الذي نعيش فيه، الثمن الأكبر لهذا العصر الذي وضعهم في حالة من التّردّي الفكري والثقافي والسياسي، بل وحتى الديني.
الأمرُ الذي حدّدَ خياراتِهم في البحث عن الذات والهوية بين التطرُّف أو السلبية المطلقة.
أما التطرُّف، فهو خيارُ التغيير الوحيد الذي تعلّق به هذا الشاب العربي الناقم على الواقع والذي لم يقدر لكثرة المشكلات التي يعيشها من تحديد المسؤول الحقيقي عنها، فصبَّ نقمتَه على المجتمع بكامله، خصوصاً في ظل سيطرة الفكر المتطرّف الدّيني على المشهد العربي.
أما السلبية فتنقسم إلى نوعين: النوع الأول هو الهروب من الواقع بأيِّ شكلٍ كان حتى ولو بالإدمان على المخدّرات أو الكحول، فيتحوّل أصحابُ هذا الخيار إلى أموات يمشون منفصلين عن الواقع منتظرين لمعجزة تخلصهم من مشكلاتهم.
أما النوع الثاني من السلبيين هم من لا يعون أصلاً ما يعيشونه من مشكلات، بل استسلموا بملء إرادتِهم للعصر الذي يعيشون فيه. وهم الغالبية بين الشباب العربي، ويمكن تسميتهم بضحايا العولمة. فلا يبدي هؤلاء أيَّ اهتمامٍ بواقع أمتهم السياسي أو الاقتصادي، والتحديّات التي تواجهُها أو مستقبلها الذي يجب أن يكونوا مشاركين فيه، بل تنحصر اهتمامات هذا النوع المفضّل من الشباب لدى حكومات الاستبداد، في الموضة والتكنولوجيا ومتابعة آخر إصداراتها، وفن هذا العصر المنحط بكل المقاييس.
لقد أصبحت الأعداد الكبيرة لهذا النوع من الشباب، تشكّل ظاهرة لا تقلُّ خطورة عن ظاهرة الإدمان أو التطرُّف بين باقي الشباب، فهم اليوم يخلقون ثقافةً جديدةً في المجتمع غريبة متمثلة في نمط الحياة بشكل عام، اللباس، تسريحات الشعر، أنواع الطعام، وحتى الغناء، فكلهم يحلمون أن يبلغ الشهرة عن طريق الغناء سواء بتسجيل أغاني الراب،أو عبر المشاركة بالبرامج الفنية التافهة لاختيار المواهب، والتي باتت تستقطب الآلاف من الشباب الطامح لبلوغ الشهرة والثراء.
واللافت أن من يقوم بالتقييم في تلك البرامج مصنّف أساساً كرمز من رموز الانحطاط الفني في هذا العصر، فأيّ فنان سيتخرج من تحت يد “نانسي”، أو “إليسا”، أو “أحلام”، وأي تغيير سيحدثه سياسيو عصر الانحطاط الذين نعيش فيه، وأي قيم وأخلاق سيعلمها مشايخ الفتنة والتطرُّف المسيطرون على مساجد هذا العصر، وأي مستقبل لأمّة تلك خيارات أبنائها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث