إيلي القصيفي |
صحيح أننا لا
نضيف جديداً إن قلنا أن العرب عاجزون، لكن مع ذلك لا نجد أحياناً كلاماً آخر
نقوله. الصور الواردة من جبل سنجار صادمة. كأنها من زمن آخر. أن يسير آلاف
الأيزيديين، شيوخاً ونساءً وأطفالاً، في أرض جرداء وفي درجة حرارة تزيد عن
الأربعين، هرباً من الموت نحو مصير مجهول لا يستثني الموت عطشاً أو جوعاً، فهذا ما
لم تشهده البشرية منذ زمن بعيد. صحيح أنّ القرن الماضي شهد في غير مكان أحداثا لا
تقل مأسوية، لكن غالبيتها لم تصور بمثل ما صورت مأساة الأيزيديين، ما جعلها أقرب
إلينا نفسيا ناهيك عن قربها جغرافياً، وهذا ما ضاعف وقعها علينا.
حجم المأساة في
جبل سنجار وتعقيداتها يجعلانها تتجاوز جغرافيتها المباشرة. كأنها مأساة المنطقة
كلها، بمجتمعاتها ودولها. وللتحديد أكثر هي مأساة العرب في عجزهم أن يكونوا
“إنسانيين”. طبعاً لا يمكن الحديث عن العرب وكأنهم جسم واحدٌ، أمة
واحدة، لكن تعقيدات المجال العربي وانهياراته ليسا سبباً كافياً لعدم تحرك
“جامعة الدول العربية” أو أي دولة عربية في المسألة الأيزيدية.
وعجز العرب في
التعاطي مع هذه المسألة ليس في عدم تمكنهم من وقف تمدد “داعش”، فلذلك
تعقيداته وارتباطاته بواقع البلدين اللذين نشأ فيهما التنظيم وتضخم. العجز الحقيقي
هو في عدم تدخل “جامعة الدول العربية” أو أي من الدول الأعضاء فيها،
للتخفيف من مأساة الأيزيديين ومساعدتهم، ولو بقطرة ماء!
وإذا كانت
الأولوية الآن هي لتخليص الأيزيديين المحاصرين في جبل سنجار وتأمين مأوى آمن لهم،
فإنّ قضيتهم ليست حصراً قضية إنسانية، وخصوصاً بالنسبة للعرب. فالمسألة الأيزيدية
هي اليوم مسألة عربية، إذ لا يمكن لأي دولة عربية تنادي بالاعتدال والحرص على
التعدد الحضاري في المجال العربي، أن تقف متفرجة على مأساة الأيزيديين. بهذا
المعنى جبل سنجار اليوم هو حقل اختبار أساسي لإمكانات التعددية الدينية والإثنية
في المنطقة العربية.
وليست صدفة أن
تجري مأساة الأيزيديين على الحدود بين العراق وسوريا، البلدين اللذين حكمهما
الاستبداد عقوداً من الزمن باسم العروبة وفلسطين والعلمانية. وها نحن اليوم نشهد
على نتائج هذا الاستبداد وعلمانيته وعروبته وفلسطينيته، في حمص والموصل وحلب وجبل
سنجار. ولذلك لا مدخل لأي تغيير عربي مرتجى نجو آفاق حضارية وإنسانية سوى بإسقاط
الإستبداد في دولنا ومجتمعاتنا وثقافاتنا. بغير ذلك لن نتمكن من رؤية مشكلاتنا
بوضوح، وأهمها مشكلة التطرف الديني الغبي الذي يكمل ما بدأه الاستبداد من تدمير
وتشقق للمجتمعات، لا بل يزيد عليه.
الآن تتدخل
أميركا ودول غربية أخرى لمساعدة الأيزيديين بينما “الجامعة العربية”
وأعضاؤها لا يبادرون إلى أي فعل، كأن جبل سنجار في الصين لا في العراق. وكأن
الأيزيديين شعب ملعون لا يستحق أي اهتمام. ولا يفيد التذكير بأنه لو تدخلت أميركا
وحلفاؤها الغربيون، بالطرق المناسبة، لوضع حد لمأساة سوريا، لكنا تجنبنا مآسي أخرى
ومنها المأساة الأيزيدية. ولا يقدم ولا يؤخر القول إن أميركا لا تتدخل إلا وفق
مصلحتها وإن تدخلها في العراق أضرّ به وبالمنطقة بأسرها. هذا كله صحيح لكنّ
مناقشته ليست أولوية عربية اليوم.
اليوم هناك شعب
مهدد بالموت والتشتت يجب مساعدته، وذلك ليس ضرورة أيزيدية فحسب، إذ لا يمكن أن
نكون إنسانيين في حلب وغزة في وقت لا نكترث لمأساة الموصل وجبل سنجار. هذه
الانتقائية تضع كل نظامنا القيمي والأخلاقي موضع التشكيك والنقض. فثمة ما يتجاوز
السياسة والأمن في التعاطي مع مآسي شمال العراق، فالمسألة الأيزيدية اليوم هي
أخلاقية حضارية في الأصل، وعلى العرب دولاً ومجتمعات أن يشعروا بخطورتها لأنها كذلك.
فتجاهل المأساة
الأيزيدية لا يمكن أن يكون بلا ارتدادات سلبية على نظرة شعوب المنطقة لأنفسهم
وللآخرين، ولا يمكن إلا أن يفاقم خوف أقليات إثنية ودينية عدة في المنطقة لا قدرة
لها على حماية نفسها.
جبل سنجار
بالنسبة إلى العرب اليوم مثل جزيرة لامبيدوسا الايطالية بالنسبة إلى الأوروبيين.
فعند سفوح هذا الجبل تمتحن العروبة الحضارية كما تمتحن القيم الأوروبية عند شواطئ
لامبيدوسا.
نقلا عن جريدة
“المدن” الإلكترونية
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث