طريف العتيق
لم يدخل العالم العربي عصور الانحدار والانحطاط نتيجة هزيمة عسكريّة كما قد تصوره لنا كتب التاريخ، وأدبيات قوميّة عربيّة، بل كانت الهزيمة العسكريّة النتيجة النهائية لتراكم التخلف في العقل العربي لعقود طويلة، ظهر أثرها فيما بعد على شكل هشاشة سياسية وخسائر عسكرية، افتُتح بها عصر الاستعمار الغربي. وما إن زال نير الاستعمار حتى عاد الاستبداد مجددًا بالأسلوب ذاته الذي كان عليه قبل ذلك، لكن هذه المرة بلباس القوميّة أو العلمانيّة بدلًا من جلباب الخلافة الإسلاميّة، فما أشبه اليوم بالأمس، في ظل غياب معالجة حقيقيّة لأسباب التخلف، تلك الأسباب الكامنة في عقل العربي وطريقة تفكيره وأسلوب تعاطيه مع الحياة؟!
ومن أخطر ما بُلي به هذا العقل الجمعي: انفكاك نظام السببية العلميّة عنده، واستبداله بأنظمة أخرى، غيبيّة في مجملها، وهي على الرغم من اختلاف أشكالها وأفكارها، إلا أنها تشترك جميعًا في كونها أسباب زائفة ومزيفة للواقع، مزوَّرة ومزوِّرة للوجود، تُدخل الفرد أولًا ثم المجتمعات تباعًا في دائرة مفرغة، تَستفرغ الجهود والطاقات وتستوعب الأفكار والنشاطات دون أن تحقق تقدمًا يذكر في معالجة أيّ مرض اجتماعي، أو تحقيق أيّ نهضة وطنيّة، على أي صعيد يذكر، لذا نرى الحكام يتبدلون، والأنظمة تتغير، ولا قيامة حضاريّة تُرجى.
والذي نقصده بنظام السببية، أنّ الوجود مبنيٌ على سلسلة متتالية ومتراصة من الأسباب لا انفكاك لها، ولا تبديل كذلك، وكل حلقة منها تمثّل سببًا ونتيجةً في آن واحد، فهي نتيجة للسبب الكامن في الحلقة التي تسبقها، كما أنها سببٌ للنتيجة الكامنة في الحلقة التي تليها، وهكذا، لا بدّ لكل مخلوق هنا على هذه الأرض، أن يتبع نظام السببية هذا، كي يحقق مقومات وجوده في الحدّ الأدنى، فضلًا عن تحقيق مميزات الوجود الإنساني، كتحقيق الرفاه والتقدم والخيريّة.
ويمكن أن نمثّل لذلك بالسلسلة التالية المبسّطة بغرض التوضيح: سحاب > مطر > نبات > طعام.
فالمطر في هذه السلسلة هو «نتيجة» لتفاعلات معينة تجري في السحب، كما أنه «سبب» (مع أسباب أخرى) لنمو النبات، الذي يعتبر «نتيجةً» لما يسبقه، و«سببًا» لما بعده، من توافر الطعام وسدّ الرمق.
ولمّا لم تكن بنية العقل البشري تقبل العيش خارج هذا النظام، فإن ما يعمل المستبدون على تمكينه هو تزوير تلك السلاسل المترابطة المتتابعة، وهذا ما قصدناه بانفكاك نظام السببية العلميّة في العقل العربيّ، واستبداله بأنظمة أخرى، غيبيّة في مجملها. ولأن نقلةً كهذه تحتاج إلى الكثير من الكذب والمداهنة كي تغدو مقبولةً ومتداولةً، فإن أفضل وأقصر وسيلةً لذلك، كانت في استخدام نصوص دينيّة ومرجعيات مقدّسة لتثبيت حلقات السلسلة الجديدة، فماذا مثل الدين يحترمه المجتمع ويقدره، وينأى بنفسه عن التطاول عليه؟!
ومن هنا تم العمل تدريجيًا على استبدال الأسباب العلميّة بأسباب مزيفة، فيما أسماه البعض بعد ذلك بالأسباب الدينيّة، وفي الحقيقة فإن الدين في نسخته البكر بريءٌ من التزوير الذي حصل، إلا أن تقاطع مصالح رجال الدين مع رجال السياسة، جعلهم يبذلون جهودًا كبيرة في تعديل التأويلات الرسمية، والتفسيرات المعتمدة للنصوص الدينيّة، لتؤيّد هذه المنظومة الجديدة من الأسباب.
ويمكن أن نلقي نظرة على “أسباب النصر والتمكين” (على سبيل المثال) في الأدبيات الدينيّة، لنكون وجهًا لوجه أمام التزوير الحاصل في العقل العربيّ، الذي يقول بأن «الله» ينصر المؤمنين، عندما يتمسكون بدينهم، ويطبقونه كما أنزله، فيعطيهم العصمة أمام تفوق العدو الحربيّ والعلميّ في الميدان، وأي اختلال عقائدي، ديني، أو أخلاقي، سيسبب إخفاقًا مباشرًا أمام العدو، وبينما يبقى عدونا «الكافر» بالله ودينه يحقق الانتصارات، نعجز للأسف عن رؤية التزوير السابق، الذي لم يكن الدين في سرديته الأولى يقول بها البتّة.
وما يقال على صعيد الجماعة، يصحّ على صعيد الأفراد، فعلى الإنسان المؤمن (يقولون)، أن ينقي عقيدته، ويتمسك بشعائره حتى ينال الحياة الطيبة، ويحصل على بركة الله وتوفيقه.
ورغم أن هذه السلسلة من الأسباب توضع موضع التنفيذ على الدوام، إلا أننا لم نحظَ على أيٍ من نتائجها منذ عصور الانحدار والانحطاط، بينما يراد لهذا الإنسان أن يتعامى عن وضع نظيره الأوروبيّ الذي يتبع سلسلة أسباب مغايرة تمامًا، لكن يبدو أنها تعمل بحقّ، فبدل البركة والتوفيق، هناك الإدارة والتنظيم.
وليس في هذا طعنٌ للدين، بل صفعة على أوجه رجال الدين الذي أرسوا تأويلات تدعم أسبابًا مزوَّرة كما قلنا، فالتوفيق والتيسير ليس أسبابًا ينتظرها المرء من السماء ليتمّ عمله، بل هو نتيجة الأسباب التي يتبعها، كما أن البركة ليس سببًا غيبيًا تُحصّل بقراءة النصوص، بل هي نتائج التنظيم والإدارة.
ويمكن أن نجمل حديثنا هذا بالقول بأنه في منظومة الأسباب العلميّة يتخذ «الإنسان» زمام حياته، فيبحث عن الأسباب المودية لما يريد، ليحقق ما يشاء، بينما في منظومة الأسباب الغيبيّة، ينسحب الإنسان من مسرح الحياة، ويُراد من «الله» أن يتدخل (تارةُ بشكل مباشر، وتارةُ بشكل غير مباشر) ليحقّق الأماني، ورغم أن القرآن خاطب أتباعه بالقول {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم} أي إن الإنسان يعمل، والله يرى الأعمال؛ فإن وعينا الجمعي يسير وكأننا قد خوطبنا بخطاب يقول بأن الله يعمل وبأن الإنسان سيرى الأعمال!
لم يعد من الممكن لنا الخروج من ظلم الاستبداد وتحقيق نهضة اجتماعيّة وحضاريّة دون البدء بالبحث عن الأسباب العلميّة لذلك، وكل ما لا يبدأ من هنا سيبقى حبيس تلك الدائرة الفارغة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث