رانيا مصطفى
الإرهاب هو الحل، بالنسبة للأنظمة هو يوفر الحجة لقمع الشعب، ولتفريغ ثورته من هدفها السياسي في إسقاط الأنظمة وتحصيل بعض الحقوق. ويوفر الحجة للمجتمع الدولي للتغاضي عن إرهاب الأنظمة الشمولية والديكتاتورية ضد شعوبها، أو حجة لدعم تلك الأنظمة، بل ودعم الاحتلال الصهيوني في حربه ضد الفلسطينيين.
موجات من أشكال متعددة للإسلام السياسي تجتاح المنطقة والعالم العربي، بل والغربي أيضاً، بسبب حالة الضيق التي تعيشها الشعوب، وصعوبة الحياة، حيث يجد الشبان في التشدد الديني، ثم في الجماعات الجهادية ملاذاً لهم، خاصة مع توفُّر الدعم المالي لتلك الجماعات. وبموازاة ذلك تتصاعد موجات مضادة من الإسلاموفوبيا، تستلب الوعي الشعبي البسيط لغالبية الشعب. يصبح الخوف من الفكر الأصولي هاجساً، ويتضاعف هذا الهاجس لدى العلمانيين والأقليات الدينية والعرقية. ويزيد من هذه الهواجس فتاوى متطرفة، ومشاهد بشعة لعمليات ذبح جماعي وقطع رؤوس، وكله يعمم عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، بعضها حصل فعلاً، وبعضها لم يتم التحقق منه. ورغم أن سلوك تلك الجماعات العدمية كافٍ لنشر الذعر بين الناس، لكن العقل البسيط المسكون بالخوف من الإرهاب الديني بات يتقبل تصديق الكثير من القصص والفتاوى المتطرفة عن تلك الجماعات، بل بات خيالُه شريكاً في نسج تلك القصص ثم تصديقها.
كل ذلك جعل من السهل صرف نظر الشعوب عن صراعها الأساسي ضد أنظمتها الشمولية الناهبة لتلك الشعوب والتابعة بالضرورة، بدرجات متفاوتة، للإمبرياليات العالمية. وبالمثل صرف نظر الشعوب في العالم الرأسمالي المتقدم عن مساندة شعوب العالم الثالث في ثورتها ضد أنظمة تمارس إرهاباً وقمعاً حقيقيين ضد شعوبها.
النظام السوري أخرج المتطرفين من سجونه، بعفو رئاسي مع بداية الثورة، ليشكلوا لاحقاً جبهة النصرة وداعش والجبهة الإسلامية وغيرها. تلك السجون التي صار بعضها مدارس لتخريج التكفيريين، كسجن صيدنايا مثلاً. والمالكي فعل المثل وفتح الحدود لعبور الجهاديين إلى سوريا. الدول العربية النفطية مولت الجهاديين، وتحكمت بهم.
وفي عرسال اللبنانية كان تواجد داعش والنصرة حجة لتدخل حزب الله ودعم الجيش اللبناني له، لطرد السوريين اللاجئين في لبنان. مع أن حزب الله نفسه حزب جهادي وعقيدته طائفية. في مصر سُمح للإخوان بالوصول إلى الحكم، بدعم من الجيش، والذي كان قد أجبَر مبارك على التنحِّي بسرعة ليضمن إخلاء ميدان التحرير، بعد الترويج لوهم انتصار الثورة بتنحي مبارك فقط. وبالمثل أسقط الجيش المصري الإخوان بعد التظاهرات المليونية ضدهم ليوقف الثورة كذلك ويحتويها.
الإخوان بممارساتهم الديكتاتورية في الحكم، وبأعمال العنف العدمية التي حرضوا أنصارهم عليها بعد سقوطهم أتاحوا الفرصة للجيش لتقديم نفسه كحامٍ للشعب ضد الإرهاب الديني، وبالتالي عاد إلى الحكم من بوابة الديكتاتورية نفسها. وهو والإخوان عمّقَا بذلك الانقسام الاجتماعي إسلامي/ علماني أو مدني. وفي تونس وليبيا تجري الأمور بأشكال مماثلة.
إسرائيل لا تحتاج لحجةٍ لقصف غزة، ولكن بنفس المنطق إسرائيل تقصف غزة وتحاصرها بحجة وجود حماس وبقية الكتائب الجهادية. والواقع أن سيطرة الجهادية على المقاومة تفيد إسرائيل أكثر مما تضرها، فهي توفر حجة لها لقصف الفلسطينيين حين تضطر لذلك من جهة، ومن جهة أخرى تعمق الشروخ والانقسامات الفلسطينية؛ والعدوان الأخير سببُه الحقيقي تعطيل المصالحة والتقارب الفلسطيني بين فتح وحماس.
أمريكا وروسيا والغرب الرأسمالي يريدون إيقاف الثورات، وإنهاك البلدان بالصراعات الإيديولوجية والانهيار الاقتصادي والمجتمعي، لضمان تبعيتها لهم. هم فقط مختلفون حول تقاسم الحصص؛ لذلك هم ضمناً يدعمون الأنظمة في قمعها لثورات الشعوب، وإن أعلنوا غير ذلك. بالأصل تجتاح شعوب تلك الدول بارانويا الخوف من الإرهاب والتطرف الإسلامي، وقد عَمَّمت تلك الإيديولوجيا وسائلُ الإعلام المرتبطة بالمافيات التجارية التي تتحكم بتلك الدول. إذاً هي تملك مبررات لشعوبها لعدم تقديم التدخل الإنساني لإنقاذ الشعوب ودعم ثوراتها من جور حكامها، فهي لا تنوي فعل ذلك أصلاً، وإن فعلته فلإيقاف الثورات وليس لدعمها، هذه المبررات تجدها حين يتغلل الفكر الجهادي ويختلط بالثورة؛ فيصبح النظام السوري وحزب الله يحاربان داعش والنصرة وزهران علوش، والمالكي يحارب داعش، والسيسي يحارب الإخوان… وبالمنطق ذاته تصبح إسرائيل تدافع عن نفسها من اعتداءات الكتائب الجهادية.
الإعلام برمته يعمم فكرة محاربة الأنظمة والدول العظمى للإرهاب. كل ذلك جعل جزءاً كبيراً من شعوب المنطقة، خاصة الجزء غير المتضرر مباشرة من إرهاب الأنظمة، ينكفئ عن الثورة، ويتشتت بين خيارين: الديكتاتورية أو التطرف الديني. بل بعضُه يختار بالفعل تأييد الأنظمة. بعض الإعلام تجرَّأ على القول أن إسرائيل تدافع، وليس هي من يمارس الإرهاب.
الأنظمة الديكتاتورية تمارس الإرهاب؛ مباشرة عبر القمع والاعتقال والقصف الجوي وحرب الإبادة ضد الشعب، وبشكل غير مباشر عبر دعم التشدد الديني والسماح له بالتغلغل لتشتيت الثورة، وتعميق الشرخ الاجتماعي للشعوب. والعالم المتحضر يدعم كل أشكال الإرهاب، بدعمه لتلك الأنظمة. محارب الإرهاب تبدأ من إسقاط تلك الأنظمة، وعدم السماح للدول التي تدعي دعم الشعوب التحكم بالثورات، وكل ذلك يقوم به الشعب نفسه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث