قدمت المخرجة اللبنانية “لينا أبيض” مسرحيتها “نوم الغزلان “، أو مسرحية التغريبة السورية، على مسرح أورين في بيروت، في الفترة ما بين الأول والعاشر من هذا الشهر. عاشت لينا أبيض الجزء الأكبر من حياتها في فرنسا، وقدمت أربعة أعمال مسرحية سابقة. وقد حاولت في “نوم الغزلان” أن تمنع هذا العالم الأعمى من النوم، ولو ليوم واحد، علّه يعرف ما الذي يعيشه السوري منذ خمس سنوات. كان لـ”صدى الشام” حديث خاص معها:
هل يمكن برأيك اختصار خمس سنوات من كل أشكال الموت، بساعة ونصف على المسرح؟
لا، لا يمكن أن تختصر خمس سنوات من الموت اللحظي بكل أشكال الموت، من معايشة الرعب، الفقد القاتل، من معايشة التعذيب، ومعايشة انهيار أحلامك وانهيار بيتك الذي بنيته بسنوات عمرك، فوق رأسك -إذ أن الأحلام تبني لها منازل أيضا، قريبا من سقوف بيوت، وتنهار معها- من تجريب اللحظات الفاصلة بين سماع الطائرة فوقك وبين هبوط براميلها، وقبل أن تنتهي من شكر السماء لأن هذا البرميل لم يسقط عليك تكتشف أنه سقط وابتلع بيت أخيك بكل من فيه. لا يمكن أن نختصر هذه الملحمة من القهر البشري، الملحمة المستمرة لمدة خمس سنوات متتالية كاملة، بساعة ونصف على المسرح، ولكن الذي يمكن هو أن لا نقف صامتين، لأن الأخطر هو أن نصمت ونحن نسمع ونرى كل يوم وكل لحظة، هذه القلوب التي تهشمت في صدور أصحابها. عندما نصمت، فإن شيئا عميقا جدا فينا سوف يتكسر، شيء هو أهم ما نملك، إنه نحن؛ قلوبنا، ملامحنا، إنسانيتنا، إنه الله فينا. لذلك يجب أن نحاول، ويجب أن نعيد إنتاج الحقائق التي شوهها كل ما حولنا. نحن لا نختزل بالفن، بل نكثف هذا الموت الحقيقي الكثيف، وننحاز لعدالة أحلام السوريين، ونعيد التعريف بها، وبحجم الدمار الذي أصاب كل العالم، فقط لأنهم حلموا.
لماذا اسم “نوم الغزلان”؟
لقد قرأت “تقاطع نيران” لسمر يزبك، وفيه تقول سمر أن السوري منذ أكثر من أربعين عاما، ينام كنوم الغزلان؛ بعين نصف مفتوحة، لأن الرعب المخيم على كل تفاصيل حياته لا يمكنّه من أن يغمض عينيه تماما. وأنا أرى أيضا أنه منذ خمس سنوات وإلى سنوات كثيرة قادمة، سوف ينام نوم الغزلان، لعله يحاول أن يعيد ثورته وأحلامه التي سُرقت وخُطفت من بين يديه.
ما الذي دفع لينا إلى إعادة تقديم قسوة ما يعيشه السوري على خشبة مسرح لبناني؟ ومن خلال ممثلين كلهم لبنانيون؟ وبلهجة لبنانية؟
أردت أن يكون العمل مقبولا ومشاهدا من قبل اللبنانيين أكثر من أن يشاهد من قبل السوريين الموجودين في لبنان. أردت تذكير الإنسان اللبناني بأن الإنسان السوري النازح هو ضحية مثله مثل اللبناني، لنفس النظام الأمني المجرم؛ النظام الذي قتل السوريين وهجرهم هو النظام الذي استباح حياة وحرية اللبنانيين لسنوات طويلة. وأذكّره أيضا بأنه عانى أكثر بكثير من السوري، ولا يجب على اللبناني أبدا أن يشارك يوما في استمرار هذه المعاناة.
لماذا كانت نصوص فرج بيرقدار وياسين الحاج صالح هي الصوت الأساسي والحاضر في مسرحيتك؟
حين قرأت تفاصيل سجن فرج بيرقدار وعلاقته بابنته، التي نشرها في كتاب «خيانات اللغة والصمت ــ تغريبتي في سجون المخابرات السورية» عن دار الجديد 2011، أصابتني حالة من القهر، بالرغم من أني كنت قد قرأت الكثير من الروايات والكتب التي تتحدث عن التعذيب في السجون السياسية السورية، مثل القوقعة وغيرها. لكن لغة فرج الرشيقة والصادقة والقادرة على إصابة القلب، لغته الشاعرية ولكن بدون تحجر ولا جفاف، أثرت في جدا. وأذكر أنني حين قرأت مقطع الفقر، لم أتمالك نفسي، وأصبت بحالة غثيان، وألم جسدي، عندها قررت أني سأقيم عملا مسرحيا يتناول في جزء كبير منه، ما كتبه فرج، والذي أحس بأنه يكتبه للسوريين الآن. وحين قرأت بوستات ياسين الحاج صالح لزوجته سميرة الخليل، التي اختطفت مع المحامية والناشطة السورية رزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي في عام ٢٠١٣، أحسست أنني لا أستطيع أن أتحمل قلقه، خوفه، حبه الهائل، أمله، لياليه التي يقضيها نائما كنوم الغزلان. وأحسست أنها تناسب كل السوريين النازحين عن أرضهم وحياتهم، السوريين الكثيرين جدا الذين التقيتم في بيروت وفي أوروبا، والذين قالوا بأنهم لا يصدقون ما يعيشون، بل يتخيلون أنه كابوس وسيصحون في الصباح التالي ليجدوا أنفسهم في دمشق وحمص وحلب مرة ثانية. لذلك قررت أيضا أن تكون رسائل ياسين الحاج صالح صوتا آخر لكل السوريين، كما أني شعرت بأن هناك صدى روحيا بين كتابات فرج ورسائل ياسين وروايات السوريين التي سمعتها؛ صدى قويا جدا له ملامح سميرة المختطفة، والتي تمثل ثورة السوريين كلها، حين اعتقلها النظام القاتل، وحين اختطفتها الجماعات التي تمثّل وجها آخر لهذا النظام.
في النهاية، ماذا تقول لينا أبيض للسوريين؟
السوريون هم جرح هذه الحضارة الزائفة، هم خجل هذا العالم، هم الوجع الذي لا يستطيع أن ينام في دمي أبدا، والذي أعده بأن أحاول تقديم حقيقتيه دائما. لكني أقول لهم أينما كانوا: سيسقط هذا النظام يوما، ومهما ابتعدتم وأينما كنتم، عودوا لسورية. فأنا نفسي، بعد أن عشت أكثر من خمسة عشر عاما في باريس، وأصبحت أفكر وأتكلم وأعمل وأقرأ باللغة الفرنسية، لم أجد نفسي كاملة إلا عندما عدت إلى لبنان.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث