طريف العتيق
أحدثت السنوات الثلاث الماضية منذ انطلاق انتفاضة
آذار، تغييرات مُفاجِئة وجذرية في حياة ملايين السوريين الذين مروّا بتجاربَ وظروفٍ
عديدة ومختلفة في سياقها وتفاصيلها، لكن قاسمها الأكيد يدور حول محور المعاناة،
التضحية، والألم، جسديًا كما هو الحال نفسيًا أيضًا.
هذه التغييرات الكبيرة في الظروف، دفعت الكثيرين إلى
إجراء محاولات ليست بالقليلة أو السهلة لإيجاد وضعيات جديدة لحياتهم، في محاولة
للخروج من نطاق الظروف التي وضعتهم الحرب في سياقها، وما يرافقها من خطر الموت،
ومخاوف الاعتقال، أو حتى اضطرارهم التوقف عن متابعة الدراسة أو العمل، محاولين
الخروج إلى “ظروف أفضل” تبدو كما لو كانت ظروف “ما قبل
الثورة” قليلًا أو كثيرًا، إذ يتوقف ذاك تبعًا على إجراءات تحسين الظروف
المتبعة، في الانتقال ضمن البلدات والمدن السورية، أو الهجرة إلى واحدة من مختلف
الدول التي تستقبل السوريين، شرقًا وغربًا.
ويعلّق هؤلاء آمالاً عريضة للغاية على مسعاهم في
الخروج من الأجواء التي يعيشون فيها، إلى تلك التي يحلمون بها، فهم يرسمون للمكان
الذي يقصدونه صورة حالمة، يستعيدون فيها شعورهم بالأمان والطمأنينة، ويمكنهم فيها
مجددًا ممارسة حياتهم الطبيعية، ومزاولة أعمالهم السابقة، ومتابعة دراستهم حيثما
توقفت، وهكذا يمكنهم متابعة المسير نحو أهدافهم وطموحاتهم الشخصية من بعد، والتي
كادت الظروف السيئة أن تطيح بها دفعةً واحدة. وفي المقابل تنعكس آمالهم هذه،
وأحلامهم تلك حول الواقع الجديد الذي يسعون للعيش فيه، على مَن حولهم ممن لا يقدر
على الانتقال إلى بلدة آخرى داخل الأراضي السورية، أو لا يقدر على السفر إلى دولة
مجاورة خارجها، لأسباب وظروف تتراوح بين المادية والمبدئية.
ورغم العزاء
الذي تقدّمه فكرة «الصمود»، يشعر هؤلاء أن قطار الحياة يفوتهم، وأن حظوظهم منها
باتت تتقلص شيئًا فشيئًا، فتنتابهم حسرة، ويمنون أنفسهم بخيرية البقاء، وأجر الله
في الرباط.
لكنّ الملاحظ في حال مئات إن لم نقل آلاف الأسر التي
انتقلت إلى أماكن أكثر استقرارًا داخل البلاد، أو خارجها وحسّنت ظروفها، أن الذي
تغيّر فحسب هو «شكل» المعاناة التي يمرّون بها، و«مادة» المشاكل التي تعترضهم،
فعلى الرغم من أنهم نالوا الراحة والاستقرار الأمنيين بالدرجة الأولى، واستعادوا
أنشطتهم الحياتية المعتادة أو جزءًا منها، إلا أنهم وجدوا أنفسهم أمام مشاكلَ
جديدةٍ، لم تكن في الحسبان لحظة خروجهم، أو لربما كانت؛ لكن بشكل نظري ليس لديه
قدرة على تحسين القرار المتّخذ، ليكونوا وجهًا لوجه أمام حقيقة أنّ «المعاناة»
و«المشاكل» هي جزءٌ من طبيعة حياة الإنسان أيًا يكن، والذي يختلف شكلها ودرجتها لا
طبيعتها.
الدرس الأهم الذي يجب أن نخرج منه هنا؛ أن التعويل
على تحسين الظروف وانتهاء المشاكل والتحديات الموجودة في حياتنا، تعويل خائب، لأن
المشاكل لن تنتهي، والمصاعب والآلام والمعاناة لا يمكنها في حال من الأحوال أن
تتوقف وتتلاشى، فهذه سنّة الحياة، لكن التعويل الذي ينجح دائمًا، ويصنع الفارق
الحقيقي؛ ويقربنا من تحقيق أهدافنا وطموحاتنا، هو التعويل على صقل الشخصية، وتحسين
قدراتها، وتنمية إمكانياتها، والغوص عميقًا في بواطنها لاستخراج مواهبها.
عند الحديث عن تفاعل الإنسان مع الظروف التي تحيط به
تعمل النسبية على صياغة المعادلة القائلة بأن قوّة الظرف، تعني ضعف الإنسان أمامه،
فكلنا يعلم بأن البشر يختلفون في تحملهم للظروف التي يمرون بها وفي استفادتهم منها،
وهذا يعود إلى قوة شخصية كلّ منهم وأصالتها، فنحن نرى اثنين يُسجنان خمسة عشر
عامًا، ليخرج الأول وقد قرأ أطنان الكتب، واكتسب علمًا غزيرًا وثقافة محترمة
وأدبًا جمًا، وهو يؤنس جلساؤه ويسعدهم بأحاديثه الطريفة، بينما يخرج الثاني مدمنًا
على الدخان، ولعب الورق، وسهر الليالي، وليس على لسانه سوى كيف ضاعت خيرة سني
حياته في سجن عبثي.
ما الفارق هنا إذًا والظرف نفسه؟
إن للنفس الإنسانية طاقاتٍ كامنةً، يمكن باستثمارها
تنمية القدرة على تحويل الظروف أيًا تكن إلى أعظم الخبرات والتجارب الحياتية على
الإطلاق، وهذا ما نراه حولنا وإن لم يشكل السمة الغالبة على المجتمع، إذ تمتلئ
الساحة بخيرة من الشباب السوري الذين تمكنوا خلال سني الثورة رغم كل الظروف القاسية،
أمنياً وماديًا ونفسيًا، من أن يبدؤوا حياةً جديدةً، لطالما كانوا يحلمون بها، لقد
استثمروا من تلك الظروف خبرات مكنتهم من إطلاق مواهبهم المختلفة ليخدموا بها ناسهم
وقضيتهم، كما اكتسبوا من المهارات والقدرات مالم يحصّلوه طيلة سنوات حياتهم
السابقة.
وهذا لا يعني بأن قرار تحسين الظروف والانتقال داخل
البلاد أو خارجها لتخفيف ثقل الأحداث قرارٌ خاطئ، بل يحتاج الأمر إلى موازنة يمكن
مقاربتها بالمثال الآتي، لنقل بأن الظروف التي نعيش فيها وتحيط بنا تمثّل إناء
فارغًا، بينما تمثل قدرات الإنسان واستثماره لها ماءً ضمن هذا الإناء.
طالما أن مستوى الماء لم يُملِئ الإناء بعد، فإن
تغييره إلى واحدٍ أكبر وأفضل لن يغير الكثير، بل إنه لن يغير شيئًا في الحقيقة،
لكن مع ارتفاع مستوى الماء سنصل إلى مرحلة يكون فيها إضافة قطرة جديدة أمرًا غير
ذي جدوى، إذ إنها ستخرج على الفور من الإناء الذي لم يعد يتسع للمزيد، عندها يأتي
دور تغيير الإناء والبحث عن واحدٍ أكبر.
إن التفكير في تحسين الظروف لهو أمر يستحوذ على
الجميع، بينما يغيب عنا تنمية الشخصية وتعميق إمكاناتها، الاستثمار الحقيقي الذي
يؤهلنا لحياة أفضل ودورٍ أكثر عمقًا، والذي يعطي لمسعى تحسين الظروف أكبر الأثر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث