مرهف دويدري
يعاني المثقف السوري من الإحباط والضياع خاصة بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على عمر
الثورة السورية التي أخرج منها قسراً بعد أن تحوّلت إلى مسلحة، فلا مكان حقيقي لهذا المثقف
في ميدان القتال إلا القلة القليلة التي ربما تعدُّ حالات شاذة، فالمثقف سلاحُه
قلمُه وفكرُه. بعض المغالين من التشكيلات العسكرية المعارضة اتّهموا المثقفين عدة
مرات أنهم مجموعة من المنظّرين الذين يهدفون إلى ركوب الثورة دون دفع أي ثمن، وغيرهم
يدفع حياته ودمه ثمناً لثورة الكرامة والحرية التي نادى بها الشعب السوري لنيل
حقوقه وإسقاط الطاغية.
لعل تراجع دور المثقف السوري في مواكبة الثورة السورية
واضح تماماً، وبدا واضحاً أكثر في الانقسام بين شرائح المثقفين، فمنهم من أيّد
النظام في قتل المتظاهرين على أنهم إرهابيون يريدون خراب البلد عن قصد بسبب
مكتسباتهم التافهة أو عن غير قصد بسبب الخوف من المستقبل واضعين نصب أعينهم ما حدث
في ثمانينيات القرن الماضي إبان انتفاضة الإخوان المسلمين على نظام الأسد الأب والقبضة
الأمنية التي أرهقت البلاد والعباد فيما بعد.
أما القسم الثاني الذين أيّدوا الثورة السلمية، وخرجوا
في مظاهراتها واعتصاماتها لم تعطهم حصانة من الاتهامات الكثيرة التي تكال لهم
يومياً، وخاصة إن تدخّل أحدهم في الشأن السياسي، كالانتساب إلى تيار أو حزب وأقل
ما يقال عنهم “بني علمان” تحقيراً لدورهم الثقافي على اعتبار إن هؤلاء
المتأسلمين يعتبرون الثقافةَ إلحاداً والدين لا يعترف بالمثقف، فكان أن هرب الأخير
محاولاً النجاة بنفسه من براثن النظام، وظلم ذوي القربى إلى الانزواء بعيداً عن كلِّ
التحرُّكات الميدانية ليجد في شاشة الحاسوب ملاذه عبر التنفيس عن أحلامه وأفكاره
عبر مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أو “تويتر” لا فرق
المهم أن يقول ما يجول بخاطره.
بعض المثقفين حاولوا
أن يكونوا ضمن مؤرخي الثورة ومدوني تاريخها عبر كتابة القصص أو القصائد التي تحاكي
نبض الشارع، سواء على المستوى المدني أو العسكري على اعتبار أنه الوحيد القادر على
تدوين إنجازات الثورة التي لم تكتمل، غير إن معظم الكتّاب والمثقفين يعترفون أن كل
ما كتبوه لم يلامس الحقيقة، وبالتالي لم يوصل الرسالة التي حاولوا تكريس عملهم
الثوري من أجلها.
وبدا واضحاً
ضحالة ما يُكتب من قصة وشعر في تدوين أحداث الثورة، من خلال إنتاج الذات أو إنتاج
الآخر لتكون النصوص ممجوجة بالألفاظ ذات الطابع الكرنفالي والانزياحات اللغوية
التي غالباً ما تكون غير قادرة على توصيف الحالة.
لعل هذا الضياع الذي أدّى إلى انهيار المنظومة الثقافية
في سوريا، وجعل غالبية المثقفين ضمن حالة من الجمود، هو هدوء ما قبل العاصفة
الثقافية التي ستؤسس لمفهوم جديد في الإبداع، وليس أدلّ على ذلك من الثورة
الثقافية التي تفجّرت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وأنتجت مدارسَ إبداعيةً،
لم تستطع البشرية إيجادها على مدى مئات السنين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث