عبد القادر عبد اللي
لعل
انتخابات الإعادة لبلدية يالوا القريبة من مدينة بورصة على بحر مرمرة شدت أنظار
المراقبين أكثر من الانتخابات الرئاسية السورية. لم تشد هذه الانتخابات أنظار
المراقبين فقط، ولكنها شدت أنظار السوريين أيضاً. فقد أصبح السوريون جزءاً من
التطورات السياسية التركية نتيجة خوفهم على أنفسهم. وإذا كانت الانتخابات البلدية
قد منحتهم شيئاً من الراحة، فإن القلق متحفز وجاهز للانقضاض عليهم في كل لحظة.
بعد
الانتخابات البلدية، وفوز حزب العدالة والتنمية باتت أحزاب المعارضة التركية كلها،
وخاصة الحزبين الرئيسين حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية أكثر واقعية في
تعاملها مع الواقع السياسي التركي. فحزب العدالة والتنمية لم يتأثر بخروج جماعة
فتح الله غولان عنه، وحافظ على قوته. من جهة أخرى بدأت الأحزاب التركية تعقد
اللقاءات والمشاورات لرسم استراتيجية جديدة في مواجهة حزب العدالة والتنمية، وطرحت
حلاً يبدو للوهلة الأولى معقولاً، ويمكن أن يحقق لهذه الأحزاب هدفها وهو الحيلولة
دون وصول زعيم العدالة والتنمية رجب طيب أرضوغان إلى الرئاسة.
ما
هو الحل؟ اتفاق الأحزاب جميعها على مرشح واحد!
بدأ
الساسة المعارضون الأتراك بالترويج لهذا الحل، ولاقى قبولاً واسعاً لدى تيارات
المعارضة، لأن أياً منها لن يتمكن من الوصول إلى الرئاسة بمفرده. فهل تنجح هذه
الخطة؟
يوم
الأحد في الأول من حزيران جرت انتخابات إعادة في محافظتي أغرِ ويالوا، وإذا كانت
نتائج محافظة أغرِ محسومة سلفاً لحزب السلام والديمقراطية (الكردي)، وهذا ما حصل
فقد حصل على 51% من الأصوات، فإن الأنظار كلها اتجهت نحو يالوا… كانت نتائج
الانتخابات الماضية (الملغاة) فوز حزب الشعب الجمهوري بفارق صوت واحد فقط، وقد
ادعى حزب العدالة والتنمية بأن هناك عدداً ممن لا يحق لهم الانتخابات صوتوا، وبناء
على الاعتراض تم إلغاء النتائج، وأجريت الإعادة…
قبيل
الانتخابات انسحب مرشحو الأحزاب الأخرى كلها لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري، وحقق
هذا الحزب فوزاً ضئيلاً لا يصل إلى واحد بالمائة على منافسة، وبقيت المحافظة لحزب
الشعب الجمهوري…
اعتبر
كثيرون أن هذه الانتخابات هي بروفة للانتخابات الرئاسية، فالتقديرات تقول إن حزب
العدالة والتنمية لديه ما يقارب النصف، فإذا اجتمعت الأحزاب كلها على مرشح واحد،
يمكن أن يحصل هذا المرشح على 51% ويقطع الطريق على رجب طيب أرضوغان بالوصول إلى
كرسي رئاسة الجمهورية. والتجربة أكبر برهان، ها هي يالوا قطعت الطريق على مرشح حزب
العدالة والتنمية.
هل
هذا السيناريو قابل للتنفيذ؟
بالطبع
قابل للتنفيذ فيما إذا وُجد مرشح تجتمع عليه الأحزاب كلها بتنوعها الأيديولوجي،
وقد نجح تحالف المتناقضين حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية في عدد من
المحافظات، وفشل في أخرى (أهمها أنقرة)، فهل يمكن نقل التجربة إلى الانتخابات
الرئاسية؟
كان
رئيس حزب السعادة واضحاً في تقييمه لهذا الأمر، فقد قال إذا دخلت الأحزاب بمرشحيها
فسيفوز رجب طيب أرضوغان، إذا أرادت أن توصل خطتها إلى النجاح لابد لها من الاتفاق
على شخصية وطنية تجمع عليها الأحزاب كلها… هل يمكن أن يصوت الكردي لمرشح حزب
الحركة القومية الذي لا يعترف بوجود أكراد أصلاً؟ وإذا كان حزب الحركة القومية صوّت
لمنافسه الأشد حزب الشعب الجمهوري في بعض المحافظات، فهل يقبل بمنحه أصواته لمنصب
مهم مثل منصب رئاسة الجمهورية؟ عندما يحاول المرء الإجابة عن هذه الأسئلة يجد
صعوبة كبرى بوصول مرشح من هذه الأحزاب إلى الرئاسة هذا إن لم يكن مستحيلاً، فكيف
إذاً ستنجح الخطة؟
في
عام 2000 استعصت الانتخابات الرئاسية التركية، ولم يتمكن أي حزب من الاتفاق مع حزب
آخر حول مرشح رئاسي، فنزل أحمد نجدت سيزار الرئيس التركي العاشر (بالمظلة) من خارج
صفوف السياسية، وانتخب رئيساً للجمهورية. يومئذ تم الأمر بالتوافق، ومرت القضية
بسلام… ولكن هل تنجح مرة أخرى؟
رئيس
الجمهورية التركية لعالم 2014 ليس كرئيس الجمهورية لعام 2000، ففي ذلك العام كانت
صلاحيات الرئيس محدودة، ولكن مع التعديلات الدستورية الجديدة، وعند إقرار الدستور
الجديد سيكون هناك نظام شبه رئاسي، أي يمنح صلاحيات أوسع للرئيس، فهل يضحي حزب ما
بالتصويت لخصمه نكاية بالحزب الحاكم فقط؟
حتى
الآن لا يظهر أن هناك رئيس جمهورية تركية يمكن أن تتفق عليه الأحزاب… والاتفاق
على رئيس بلدية يالوا لا يشبه الاتفاق على رئيس الجمهورية التركية، فإذا اعتبرنا
أن انتخابات يالوا بروفة للانتخابات الرئاسية، فهذه البروفة غير كافية…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث