عبد القادر عبد اللي
منذ بداية الثورة السورية، وقبل أن تتحول إلى أزمة، ثم إلى قضية محاربة إرهاب، كانت تركيا في محور الحدث السوري. وحتى إن الممانعة ومن خلال إعلامها، اعتبرت أنها تحارب النظام التركي أو تركيا، وأن أولئك الذي يحاربون ضد محورها هم في الحقيقة ليسوا سوريين، وكانوا أتراكاً، وأحياناً يضيف تنويعات من أجل تكبير الوهم بأنه يقاتل أكثر من مائة جنسية.
ولا يمكن إنكار أن تركيا لعبت دوراً ما في الأحداث السورية، من الصعب تحليله الآن، وإطلاق أحكام عليه لأن كثيراً من الأمور تتكشف مع الزمن، وتضيف معلومات تغيرُ كثيراً من الأفكار. على سبيل المثال لا الحصر، كانت من مسلمات الأمور بأن الولايات المتحدة من الدول المناهضة للنظام السوري، ولكن موقفها من مفاوضات المعارضة مع هذا النظام، وتحديداً “أوامر” كيري للفريق المفاوض غيّر هذه المسلمة، بل يمكن القول إنه قلبها رأساً على عقب. ولكن الدور التركي على الرغم من المد والجذر الذي انتابه، فهو دور أساسي مهما اختلفت التحليلات في اعتباره إيجابياً أو سلبياً.
هذا الدور جعل من تركيا هدفاً أساسياً للنظام، ومن يدور حوله. وبالطبع ضمن التوافقات المصلحية والمصيرية نجد التطابق في استهداف تركيا من قوة أخرى هي داعش. وهناك أطراف تدور في فلك النظام السوري تقول إن داعش جزء من النظام التركي، وأطراف أخرى تدور في الفلك التركي تقول إن داعش جزء من النظام السوري.
خيوط عمليتي أنقرة التي راح ضحيتها 102 مواطناً تركيا، وعملية إسطنبول في ساحة السلطان أحمد التي راح ضحيتها عشرة مواطنين ألمان تعطي أدلة ورؤوس خيوط بالغة الخطورة على التوافق بين النظام وداعش بالأهداف.
ليس المقصود هنا الخبر الذي نشره موقع تركي بالعربية مشوبا بالتحريف أو لنقل أخطاء الترجمة، يقول عن أن أحد الذين كانوا على علاقة من منفذ العملية اتصل بالسفارة ثلاثين مرة وآخرها بعد التفجير (في اليوم الذي سبق التفجير)، فالقضية لم تتجاوز الاتهام بعد، والاتصال مجرد قرينة، يمكن أن يكون له أسبابه المقنعة. ولكن التحقيقات في عملية أنقرة أيضاً، والاعتقالات الجديدة تؤدي كلها إلى الرقة، وإلى يونس ضرماظ (درماز) تحديداً، المنسق العالم لهذه العمليات. وليست مصادفة أبداً أن يكون المعتقلون جميعاً في العمليتين هم من السوريين، وأن يكون اثنان من الانتحاريين الثلاثة الذين نفذوا العمليتين في أنقرة وإسطنبول سوريين.
أشارت التحقيقات التركية بحسب جرائد تركية معارضة للحكومة التركية، إلى أن فريقاً تقنياً تمكن من اختراق حاسوب يونس ضرماظ، وكشف بأن عملية أنقرة كان من المفروض أن ترافقها سلسلة عمليات تستهدف كلاً من مراكز حزبي الشعوب الديمقراطي والعدالة والتنمية، بهدف إشعال الفوضى في أرجاء تركيا كلها، والوصول إلى حرب أهلية! والذي سيقوم بهذه العمليات هو تنظيم داعش، والمخطط يونس هو أحد قياديي داعش المقيمين في الرقة.
من جهة أخرى فإن إيران أيضاً، ومنذ اتفاق الحكومة التركية مع حزب العمال الكردستاني على ما سمي يومئذ “مرحلة السلام”، رفضت هذا الاتفاق، وحتى إنها قدمت عروضاً سخية لقيادات هذا الحزب من أجل أن يعود إلى الكفاح المسلح، ولا تخفي أبداً رغبتها بأن تدوم المعارك بين الطرفين في تركيا.
من السذاجة اعتبار أن الحرب الدائرة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني اليوم هي مجرد تحريض فقط، ومؤامرة خارجية على طريقة أدبيات الممانعة، فللقضية أسبابها الخاصة أيضاً، وأرضيتها التي تساعد على اشتعال الوضع، ولا بد أن داعش وإيران تدركان هذا الأمر جيداً.
ثمة شعار أطلقه النشطاء السوريون منذ فترة، وسرعان ما غاب مثلما غابت كثير من الأشياء، وهو “الأسد وداعش واحد”. بالطبع فإن الأمر مجازي، ولا يمكن أن يكون طرفان طرفاً واحداً، حتى لو كان أحد هذين الطرفين ابن الطرف الآخر، أي حتى لو كانت داعش ابنة النظام، فليس من المعقول أن يكونا واحداً، ولكن مصالحهما تجعلهما يخدمان الهدف نفسه، وبالتالي يقدم أحدهما الدعم للآخر بشكل مباشر أو غير مباشر لتحقيق مصالح تخدم الطرفين.
تركيا هدف لإيران، ليس دفاعاً عنها، ولكن مصالح إيران تجعلها هدفاً، ومصالحها أيضاً تقضي بأن تحدّ النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة. ولكن تركيا أضعف بكثير من أن تستطيع تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، والضعف هنا ليس بالمنظور العسكري، بل بالمنظور السياسي. ففي تركيا قوى فاعلة مؤثرة، ويمكن أن تحرك الشارع بقوة تتلقى أوامرها من إيران. وإيران تستمتع بتقديم هذه الرسائل للحكومة التركية، وتخدمها فيها أكبر وسائل الإعلام في العالم.
بفرض أن داعش وإيران ليسا واحداً، ولكن من أبسط القواعد السياسية أن الخصمين (فيما إذا كانت هناك خصومة) لا يمكن أن يتفقا على هدف أو أهداف واحدة إلا إذا كان هذان الطرفان أقرب أحدهما إلى الآخر بكثير جداً من الطرف الآخر المستهدف. وهكذا فإن تركيا أو الحكومة التركية هدفاً مشتركاً استراتيجياً لكل من إيران وداعش، وكلاهما يبذل تضحيات كبرى من أجل التأثير على تركيا.
عمليتان كبيرتان هزتا تركيا واحدة في أنقرة، وأخرى في ساحة جامع السلطان أحمد. المنفذون والمنسقون من داعش، والهدف مشترك بينها وبين الممانعة، ليس هناك أي ريبة في الأمر…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث