محمد صالح
لم تكن المؤسسات والجمعيات الإغاثية العاملة تحت رعاية الحكومة السورية المتورط الوحيد في تجاوزات العمل الخيري، حيث انتقل الأمر إلى الضفة المعارضة لتتفتح ملفات تورط الجسم الأكبر للإغاثة في المعارضة متمثلاً بوحدة تنسيق الدعم (ACU)، التي شكّلها الائتلاف في عام 2012 لتنسيق الدعم الضروري والعاجل لجميع المتأثرين من الأزمة الإنسانية في سورية.
توثق “صدى الشام” في هذا التقرير، تورط الجسم الأكبر للمعارضة، متمثلاً بالائتلاف المعارض، بملفات مشبوهة في مجال العمل الخيري، بعد أن أثبتت وثائق حصلت عليها، تجاوزات في وحدة تنسيق الدعم المسؤولة عن إغاثة اللاجئين السوريين في الخارج، والبالغ عددهم أكثر من 4 ملايين لاجئ بحسب أرقام الأمم المتحدة، والتي أقيل على أثرها رئيس المكتب القانوني في الوحدة فؤاد أبو حطب حين حاول كشفها.
المليون الضائعة
مثلما أصبح العمل الخيري مطمعاً لتجار الحرب، تحول أيضاً لبزنس يستهدفه أشخاص وشركات خارج سوريا، حيث كشفت الوثائق والمراسلات التي حصلنا عليها، أن مسؤول ملف الإغاثة في لبنان ومستشار وحدة تنسيق الدعم “وسام ط”، ملاحق من قبل لجنة تحقيق في الائتلاف بـ 300 ألف دولار لقاء “أموال لمساعدة جرحى القصير وإغاثة الزبداني والرقة، إضافةً لاستئجار أراض للاجئين”.
كما كانت “وحدة تنسيق الدعم” التي تتبع للائتلاف، نفسها، قيد التدقيق من قبل شركة “ديلويت” العالمية للمحاسبة، بحسب نسخة حصل عليها معدو التحقيق. ووفقاً للتقرير، لم يستطع مدققو ديليوت إيجاد توثيق كاف لمبلغ مليون دولار من نفقات المساعدات التي صرفتها الوحدة. الأمر الذي أثار زوبعة في وسائل الإعلام عن الطريق الذي سلكته هذه الأموال، لتنشر الوحدة توضيحاً حول المبلغ، قائلةً إنها وثقت من المليون أكثر من 731 ألف دولار، فيما عجزت عن توثيق أكثر من 334 ألف دولار.
أكثر من 334 ألف دولار كانت مبالغ صَعُبَ توثيقها على وحدة تنسيق الدعم، وتتمثل، بحسب المدير المالي للوحدة، محمود نخلة، في أجور طرقات لموظفي الوحدة ورحلات السفر، إضافةً للتحويلات المالية إلى دول الجوار أو الداخل السوري!!
المدير المالي للوحدة، محمود نخلة، برر عدم قدرة الوحدة إثبات المبالغ قائلاً: “إن الأموال المذكورة يصعب توثيقها، وتتمثل في أجور طرقات لموظفي الوحدة ورحلات السفر، إضافةً للتحويلات المالية إلى دول الجوار أو الداخل السوري، والتي تتم عن طريق السوق السوداء ويصعب الحصول على وثيقة بها، وذلك تجنباً لتكبد عمولات التحويل العالية ولتعذر التحويل المصرفي لدواعٍ أمنية”.
الملف الغامض
ملف “وسام ط”، مستشار رئيس الوحدة السابق في لبنان، كشف حجم التجاوزات في عمل الوحدة. فشخص وحيد مدين لها بـ 300 ألف دولار منذ عامين، ومازال الأمر عالقاً إلى الآن. لكن بحسب إفادة الوحدة لمعدي التحقيق، فإن الملف نائم في أدراج الائتلاف، على عكس ما قاله وسام – لدى مواجهته من قبلنا- أنه انتهى، وتم تسديد وتوثيق كافة المبالغ.
هيثم المالح: المبلغ الضائع مع “وسام ط”، والبالغ 300 ألف دولار، يعتبر ضئيلاً حيال السرقات الكبيرة التي تتم في الائتلاف، والذي يتقصد التعتيم عليها دون ذكر الأسباب.
تواصلنا مع رئيس اللجنة القانونية في الائتلاف، هيثم المالح، الذي قال: “المبلغ الضائع مع “وسام ط”، والبالغ 300 ألف دولار، يعتبر ضئيلاً حيال السرقات الكبيرة التي تتم في الائتلاف، والذي يتقصد التعتيم عليها دون ذكر الأسباب”، بحسب تعبيره.
ملف وسام الذي أعدته الوحدة بعد تشكليها لجنة تحقيق رسمية، تضمن وثائق حصلنا عليها، تؤكد أن الأراضي التي زعم استئجارها لإقامة اللاجئين السوريين، لم تكن موثقة لدى كاتب العدل، كما تم استئجارها من أشخاص لم تثبت ملكيتهم لها.
ومن ملفات وسام التي يلاحق بها، كانت فواتير الخدمات والمساعدات الغذائية، فقد كانت فواتيرها موقعة من مؤسسة لبنانية لبيع الأدوات المنزلية، ولم تعترف بها لجنة التدقيق التي شكلتها وحدة تنسيق الدعم.
كلفت الوحدة المحامي محمد صبرا بعقد استشاري للبت في قضية الأراضي. تواصلنا مع صبرا الذي قال: “تم استشارتي فقط فيما يتعلق بإثباتات عقود تأجير الأراضي، واقترحت رفع دعوى في تركيا أو لبنان، لكنني بينت أنه لا فائدة من الدعوى كونها جزائية وليست مدنية، فالدعوى المدنية تحتاج لإثباتات كثيرة. ونصحت حينها باستدعاء وسام للتفاهم معه ودياً للوصول إلى حل بدلاً من المحاكم التي يمكن أن لا تأتي بجدوى”.
حاولنا التواصل مع “وسام ط”، الذي هو الآن عضو في إحدى المؤسسات العالمية ذات الشأن الإنساني، للحصول على إجابات منه، فكان جوابه أن الموضوع قديم وانتهى منذ عامين. ووعدنا وسام بالتواصل مع مكتبه القانوني للاطلاع على التفاصيل، دون أن يتم ذلك، رغم التواصل المباشر معه بدءاً من 3 تشرين الثاني وحتى تاريخ نشر هذا التقرير، حيث بقي كلام وسام عن تسديد المبلغ يعاكس ما جاء في تقرير الوحدة المالي عن 2014، والذي بموجبه تم الإبقاء على المبالغ تحت بند “ديون مشكوك في تحصيلها من مكتب لبنان”.
عطاء خيري
ولم يكن ملف وسام هو الوحيد العالق من تعاقدات “وحدة تنسيق الدعم” التابعة للائتلاف المعارض، لدعم العمل الخيري، فقد فشل مشروع التعاقد مع شركة مصرية لبناء نظام إلكتروني لتسهيل نشاطات الائتلاف الخيرية قبل بدايته، وعلقت الأموال المدفوعة للشركة.
التقينا مدير المكتب القانوني السابق في الوحدة فؤاد أبو حطب، والذي فصل من عمله على خلفية كشفه لملابسات العقد المبرم مع الشركة المصرية.
التقرير الذي أعده أبو حطب ويقع في 27 صفحة، وحصلنا عليه، يحمل الأدلة والنتائج والتوصيات للمشروع المذكور، وكان أبو حطب قد أرسله أصولاً عبر بريده الإلكتروني الرسمي كما قال، بتاريخ 4 نيسان 2015، إلى الأمين العام للائتلاف الوطني، يحيى مكتبي، كون الوحدة تتبع إداريا للائتلاف. وتم إرسال نسخة إلى المدير التنفيذي، أورهان حاجي محمد، ومدراء الأقسام في الوحدة. ليفاجأ أبو حطب كما قال، “بصدور قرار فصل تعسفي بحقه دون أي سبب ومبرر قانوني”.
وفقاً لتقرير أبو حطب، ثبت في المناقشة القانونية تعرض وحدة تنسيق الدعم لعملية احتيال من قبل الشركة المصرية، وهو ما أيده تقرير لاحق أعده مدير قسم المعلومات في وحدة تنسيق الدعم، خالد الأمير.
وفقاً لتقرير أبو حطب، ثبت في المناقشة القانونية تعرض الوحدة لعملية احتيال من قبل الشركة المصرية. تمثل ذلك بقيام الشركة باستدراج مبالغ مالية من الوحدة، مدعية أنها شركة مختصة في تنفيذ مشاريع الأنظمة الإلكترونية، مستخدمة موقعا لها على الإنترنت يشير إلى تخصصها في هذا المجال، ليتبين لاحقاً أن الموقع أُنشئ قبل شهرين من تاريخ توقيع العقد.
وأيد تقرير لاحق أعده مدير قسم المعلومات في وحدة تنسيق الدعم، خالد الأمير، إثبات بطلان العطاء، مؤكداً عدم اختصاص الشركة المصرية، وأن العطاء تقدمت به الشركة مع عرضين آخرين لشركتين تبين أنهما وهميتان ولا وجود لهما في الواقع.
قامت وحدة تنسيق الدعم برفع دعوى قضائية أمام محكمة الصلح الأولى في غازي عينتاب التركية، برقم أساس 2015/25 تاريخ 1 حزيران 2015، ضد الشركة المصرية، لمطالبتها بالأموال التي استلمتها لتنفيذ المشروع ولم تكمله.
الوحدة ومن خلال تقريرها المالي عن العام 2014، اعترفت بوجود مبلغ 175.680 دولار لم يتم تحصيلها، بعد أن تم دفعها للشركة المصرية، لتصنفها الوحدة مع أموال مستشارها في لبنان تحت بند مؤونة “ديون مشكوك في تحصيلها”.
بانتظار المساعدة
ربما يفسر الهدر والتلاعب في الأموال المخصصة لمساعدة السوريين من مؤسسات الحكومة وائتلاف المعارضة، تزايد معاناة أكثر من نصف السكان الذين هجروا من منازلهم داخل وخارج سوريا، وبلوغ نسبة الفقر بينهم أكثر من 80% بحسب أحدث تقرير لمنظمة الأونروا التابعة للأمم المتحدة. وبينما يتلهف الأحياء للمساعدة، يقبض تجار العمل الخيري مساعدات باسم الأموات والأحياء السوريين دون علمهم.


صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث