الرئيسية / Uncategorized / لماذا يقتلون فينا هذا الصهيل؟

لماذا يقتلون فينا هذا الصهيل؟

ميسون شقير

نودع نحن السوريين، السنوات التي وضع الإنسان فكرة تاريخها وعددها فقط ليخترع ما يوهم نفسه بأنه قادر على الإمساك بعنق الزمن، وليخترع مواعيد للأمل ومواعيد للأعياد، ليخترع وهم البدايات ووهم النهايات. لكنه في الحقيقة لا يغير شيئا في هيئة هذا السيد الوقور، الشفاف، المعروف، غير الملموس الحنون، القاسي، الذي نسميه الزمن، والذي بتنا نحن السوريين، لا نقيسه بالأشهر ولا بالساعات، بل بعدد الذين سقطوا والذين يسقطون والذين سيسقطون غدا. نعد الساعات بعدد القبور، بعدد الصرخات تحت التعذيب، بعدد استغاثات الغرقى المالحة، بعدد نظرات الأطفال الجائعين، بعدد دموع الراحلين، ودموع من بقي فقط ليودع ولينتظر ريح اليوم القادم من ستبعد بعد عن هذا القلب.

نوافذ جريدة المستقبل وملحق جريدة النهار الثقافي قامتان ثقافيتان حرتان، شكلتا لنا ولزمن طويل فضاء واسعا نمد إليه عيوننا وقصائدنا، يحمل معنا حقيقة أوجاعنا ويواجه فيها بالنيابة عنا، ينشر أحلامنا مثلما ينشر إبداعاتنا، آرائنا، تحليلاتنا، قهرنا من طاغية قاتل، من عالم نذل يخذلنا، من سياسات تشرب ماء عيوننا، بجعل بيروت كعادتها، أم المظلومين، سيدة الحرية التي تتعمشق على جبالها، والتي مهما حاصروها كانت الحرية تأتي مع كل موجة تدق صخورها ومع كل صخرة تفتت الموج وتفتت.

الثقافة لم تكن يوما إلا انعكاسا حقيقيا لحال الشعوب، مهما حاولت أن ترتفع بمن حولها وأن تسمو وتختلف بنزوعها الدائم نحو الإنسان والحياة، إلا أننا الآن نودع السنة التي يزيد فيها آحادها ويحتفل العالم بلحظة تغيره، بينما تنقص فينا آلافنا ولا يكترث أحد. ومع رحيل 2015 تغلق في وجوهنا نوافذ المستقبل، ويقفل على أرواحنا ما كان لنا من ملحق النهار.

في منتصف السنة الماضية توقفت نوافذ المستقبل، التي كانت منبرا لكثير من الأقلام العربية الحرة والسورية المميزة، والتي اتسعت للمبدعين السوريين بعد أن ضاقت الأرض بهم، وبعد أن اعتقل النظام إبداعهم قبل أن يعتقلهم أو يقتلهم أو يبعدهم عن البلاد التي تسكن فيهم. وقد حاول القائمون على نوافذ المستقبل من كتاب ومحررين، الوقوف معها دفاعا عن منبر حر وعن ثقافة حرة أخذت بالموت والتراجع أمام كل هذا الموت والظلم العلني وأمام هذا التسطيح الهائل في كل شيء وأمام ثقافة الطائفية وثقافة السلطة وثقافة الفراغ، ولكن توقف الدعم الحقيقي للثقافة العميقة والحرة انتصر على كل محاولاتهم.

ولم تنتهِ السنة قبل أن يعلن الشاعر عقل العويط في العدد الأخير لملحق النهار، عن توقف صدور العدد لأسباب مادية. وفي مقاله يقول: “كنت أمينا على البدايات وعلى كل المراحل، وها أنا أصر أن أبقى أمينا على النهايات”، طالبا منا بنبل أدبي وأخلاقي، ألا نموت بموت هذا المنبر، وأن نحافظ على روح التمرد والابتكار والتجديد فينا وفي إبداعنا ووعينا وفكرنا، موجها حديثه كأب يودع أبناءه بعد أن انهارت جدران منزله عليه وعليهم، أو عاشق يودع عيون عشيقته بملح البحر حين تمضي السفينة، أو كشاعر يصهل.

لماذا تموت هذه الآفاق وتنشط المنابر التي تشحذ السكاكين المخبأة في قعر كل منا؟ لماذا تموت هذه المنابر وتحيا منابر داعش والظلام، التي وجدت وازدهرت فقط لتلمّع وجه قاتلنا، ولتخفي كل هذا الظلم وكل ملامح أجمل وأعظم وأنبل ثورة في التاريخ؟ لماذا تموت منابر السؤال الذي يهز كل مطلق، والذي يصر على تعرية الحقيقة مهما تكن؟ ولماذا علينا نحن السوريين، أن نشهد هذه الجنازات الطويلة، وأن نضيفها للشهداء الذين رقّصناهم كثيرا قبل أن ندفنهم في القصائد؟

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *