حنين خالد
تعاني تجربة القضاء في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام صعوبات كبيرة، تبدأ بغياب الكوادر المؤهلة، مرورا بالوضع القائم على الأرض، ولا تنتهي في شكل ومضمون القوانين ما بين شرعية أو وضعية، إضافة لعدم توفر جهاز تنفيذي يتبع أجهزة القضاء في تلك المناطق يحمي القضاء من أي تجاذبات ويكون قادرا على فرض الأحكام الصادرة، بغض النظر عن المرجعيات الفصائلية أو العائلية او القبلية.
بدأت في جنوب دمشق عام 2012، تجربة دار القضاء، إثر دخول “الجيش الحر” وسقوط النظام في بلدات وأحياء جنوبي العاصمة السورية. بدايات التجربة لم تكن بفعالية عالية، لأن الظرف الموضوعي لم يكن بهذا الحجم من التعقيدات، وكذلك بسبب الزخم الشعبي الذي حظيت به فصائل المعارضة المسلحة، وهو ما ساهم بشكل أو بآخر لاحقا في إضعاف دور القضاء وحصره في حيز ضيق لا يتعدى النظر في قضايا تفصيلية كقضايا الملكيات والزواج أو الطلاق، وقد تكون أهم ملامح تجاوزات تلك الفصائل في البدايات ما بدر حينها من لواء صقور الجولان وقائده بيان مزعل، الذي عرف بممارساته الخارجة عن القانون والعرف والقيم، تجاه المدنيين وممتلكاتهم من جهة، وتجاه دار القضاء من جهة ثانية.
الناشط مطر اسماعيل أكد لـ”صدى الشام”، أن “ملف القضاء في جنوب دمشق هو من أعقد الملفات المرتبطة بالثورة في المنطقة، لذلك لا يمكن إعطاء توصيف شامل أو حكم محدد بهذا الشأن، على اعتبار أن تجربة القضاء تعدّدت أوجهها خلال السنوات الماضية”. موضحا أنه “في عام 2013، تم إحداث هيئة شرعية في يلدا سرعان ما تفكّكت، ليعاد في العام 2014 تشكيل هيئة شرعية جديدة، ومن ثم تطوّرت لتصبح دار القضاء في جنوب دمشق، والتي تفكّكت بدورها منذ عدّة أشهر بعد عدّة مشكلات واجهتها، أدت في النهاية لتعليق العمل فيها تماما حتى يومنا هذا”.
لكل فصيل عسكري في المناطق المحررة محكمته وسجونه الخاصة به، وهي منفصلة عن جهاز القضاء المركزي في المنطقة التي يسطر عليها
أزمات جهاز القضاء الناشئ في المناطق المحررة لم تقف عند هذه الحدود بل تعدتها إلى أزمات ارتبطت في نهاية المطاف بمناطق سيطرة ونفوذ الفصائل الفاعلة على الأرض، حيث أصبح لكل فصيل محكمته وسجونه الخاصة المنفصلة عن جهاز القضاء المركزي في المنطقة ذاتها. وجنوب دمشق لم يخرج عن هذ السياق، فعصفت به مشاكل كثيرة ناتجة أولا عن تعدد المرجعيات، إن صح التعبير، سيما مع اقتحام “تنظيم الدولة” لمخيم اليرموك بداية نيسان الماضي، ما أدى إلى وجود مرجعيات قضائية متعددة كان الحاكم الرئيسي لعملها هو الخلافات والأزمات ما بين الفصائل التي تتقاسم مناطق السيطرة في أحياء وبلدات جنوب دمشق. أزمة جهاز القضاء جنوب العاصمة بلغت ذروتها في تموز وآب الماضيين، حين اقتحم عناصر من جيش الإسلام دار القضاء، واقتادوا خمسة معتقلين “على ارتباط بالتنظيم” منفذين بحقهم حكما ميدانيا بالإعدام، أمام ساحة الكشك المعروفة في بلدة بلدا، ما أثار ردة فعل غاضبة لدى المدنيين انتهت باقتحامهم لدار القضاء وتحرير كل من بداخلها من موقوفين.
أبو الخير: جنوب دمشق منطقة مليئة بالتعقيدات، وهو ما أعاق عمل القضاء الحر فيها.
السيد عاطف أبو الخير، قاضٍ سابق في دار القضاء جنوب دمشق ومدير إدارة السجل المدني حاليا، أكد أن “جنوب دمشق منطقة مليئة بالتعقيدات، وهو ما زاد من الصعوبات التي واجهتها تجربة القضاء فيها، ولعل من أبرزها الانعدام شبه الكامل للدعم، حيث كانت دار القضاء في الأشهر الستة الأخيرة من عملها تستدين مبالغ صغيرة (100 أو 500 دولار) لتسيير بعض الأمور، وبالتالي انصرف عنها الكوادر، مما أدى إلى النقص في الكوادر المتخصصة”، مضيفا: “أزمة الملف القضائي تفاقمت إلى حد كبير بعد التطورات الكثيرة التي أحاطت بالمنطقة قبل ما يقارب العام، إثر حالة القتال بين داعش وبقية الفصائل حينها، وحصار الأول في منطقة الحجر الأسود، وكل ما تلا ذلك من أحداث مؤسفة نتيجة الخلافات العسكرية بين الكتائب المتواجدة في مختلف أحياء وبلدات جنوب العاصمة. حيث لم يستطع القضاء البقاء بمعزل عنها لكنه لم ينخرط أو ينحاز”. وتابع أبو الخير: “يستمد القضاء قوته من اجتماع الكلمة ووحدة الموقف كي يبقى ممارسا لعمله بنزاهة واستقلالية”.
توصيف السيد أبو الخير تدعمه الكثير من الوقائع على الأرض، أبرزها مقتل أحد المعتقلين في سجون لواء شام الرسول الشهر الماضي، دون أن يكون هناك أي قرار قضائي أو إجراء بحق الفصيل الذي تسبب بمقتل المعتقل.
الناشط مطر اسماعيل أكد بأن “أهم ما ينقص الجهاز القضائي في أي منطقة محرّرة هو وجود كفاءات وخبرات أكاديمية يمكنها أن تعالج النزاعات والمشكلات بحكمة وسند قانوني واضح، بالإضافة إلى ضرورة إبعاد التجاذبات والحسابات الفصائلية عن عمل القضاء، بما يجعل الأخير مظلّة تخضع لها تلك الفصائل وليس العكس. كما أنه لا أهمية لقضاء ضعيف لا يملك قوّة الحق والعدل”، مشيرا إلى أنه “لا بد لأي دار قضاء أن تمتلك أدوات القوة في السلطة والمال، لتتمكّن من أداء عملها باستقلالية ومهنية أساسها العدل”.
لا بد لأي دار قضاء أن تمتلك أدوات القوة في السلطة والمال، لتتمكّن من أداء عملها باستقلالية ومهنية أساسها العدل
لم يختلف السيد أبو الخير كثيرا مع مطر، حيث أوضح أنه “أولا وقبل كل شيء، تحتاج دار القضاء إلى شرعية لتأسيسها، بحيث تكون محاطة بموافقة الجميع ليكون الجميع خاضعين لسلطة القانون والعدل. كما تحتاج إلى دعم كبير كي تمتلك القوة التي تخولها بسط السلطة القضائية على الجميع دون استثناء”. مضيفا: “القضاء كان يمتلك المهنية، لكن تنقصه القوة لفرض هذه المهنية. بالتالي فإن افتقاد دار القضاء للقوة التنفيذية أدى إلى توقف العمل. وتحمل جيش الإسلام وبقية الفصائل هذه المسؤولية نتيجة أحداث متلاحقة تزامنت مع قرار الدار الاستقالة والتوقف عن ممارسة مهامها في المنطقة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث