سيذكر تاريخ الرياضة السورية الحرّة عام 2015 بحروف طُليت بماء الذهب، ليس بسبب الإنجازات الرياضية ورفع علم الثورة في المحافل الدولية أكثر من مرة فحسب، ولكن لأن هذا العام شهد البداية الحقيقة للرياضة السورية المنشودة، فمثّل الخطوة الأولى التي يعتبرها الكثيرون من أصعب الخطى، بينما يقول آخرون إنها نصف الطريق..
مع بداية الثورة السورية، انشق العديد من الرياضيين السوريين عن نظام الأسد، في رسالة واضحة مفادها أن الرياضة جزء لا يتجزأ من أركان المجتمع السوري الذي عُرف بإبداعه على كافة الأصعدة. وحمل الرياضيون مسؤولية وطنهم والدفاع عن كرامته شأنهم شأن الملايين ممن تنفسوا هواء سوريتنا، فالتحق الكثيرون منهم بجبهات القتال لسد الثغور أمام عدوان الأسد وميليشياته، واستشهد من استشهد، ومنهم من بدأ مع الشرارة الأولى بالحراك السلمي، ورفض النظام الشمولي الذي خلّف مصائبه على الرياضة السورية إبان النظام، فكان نصيبه الاعتقال.
تحد حقيقي
احتاج الرياضيون الأحرار لمن يستمع لهمومهم، ويخفف آلامهم، ومن يأخذ بيدهم كي يخطوا الخطوة الأولى في حفر أساسات بناء الرياضة السورية الجديدة، الذي يضم العديد من المدربين والإداريين واللاعبين السوريين الأحرار المنشقين عن نظام الأسد، في محاولة لإظهار الرياضي السوري كجزء أساسي من ثورة الكرامة. في وقت تعالت فيه أصوات تنادي بعدم أهلية الرياضة في حمل راية الثورة، وهي أصوات غفلت في كثير من الأوقات عن طابع الثورة الإنساني الذي لا يبتعد عن مبادئ الرياضة الحقيقية قيد أنملة.
لهذا تأسست العديد من المنظمات والهيئات والاتحادات الرياضية الحرة، فواكبت حياة الرياضيين ودعمتهم بكل ما تملكه من علاقات وأموال ومنشآت وابتسامات وضحكات، ودموع في كثير من الأحيان، فلا يكاد يمر بضعة أيام إلا وتجد اتحادا رياضيا أو هيئة تنعي استشهاد أحد كوادرها، ولا تمضي أيام أخرى إلا وترى الاتحادات تهنئ بعضها بظهور بطل جديد رفع علم الثورة في المحافل الهامة.
جنود مجهولون
بين هنا وهناك تواجد جيش من الجنود المجهولين، سهر الكثير منهم على رفع سوية الرياضة السورية الحرة وتسريع عملية نموها كي تكبر بسرعة قياسية مخالفة كل الظروف الطبيعية، وكل من هؤلاء بذل جهودا مضنية للكفاح على طريقته الخاصة وحسب إمكانياته الخاصة؛ فاللاعب لديه مهاراته الرياضية، والإداري وهب وقته وخبرته كرمى للرياضة الحرة، وأعد الكثير من رجال الأعمال ما استطاعوا من أموال لذات الهدف، وكلهم علموا مسبقا أنهم يبنون لجيل سوريا المستقبل، لأن ثورتنا هكذا.
ومن أبرز الهيئات التي تمثل نموذجا حيا وناجحا في الرياضة السورية الحرة على الإطلاق “الهيئة العامة للرياضة والشباب”، والتي استطاعت أن توصل صوت الرياضة السورية إلى المحافل الدولية، والتي تمكنت أيضا من جذب وسائل الإعلام العربية والعالمية نحو إنسانية الثورة السورية من خلال البرامج الرياضية العالمية التي تناولت قصص الرياضيين الثوار الذين لم ينحنوا أمام الموت إلا في سبيل الله والوطن، ولم يقبلوا على الحياة إلا لأنهم يستحقونها.
كذلك جذبت الهيئة الداعمين الوطنيين الذين علموا صدق مشروعها الرياضي ومدى أهميته، فوجدوا فيها مكانا بحثوا عنه طويلا للارتقاء باسم بلادهم عاليا. لم تكتف الهيئة بضم رياضيي الألعاب الجماعية، بل شملت العديد من الألعاب الرياضية واتحاداتها الفردية والجماعية، وتوزعت مكاتبها في الداخل السوري وفي تركيا، وضمت المئات من الرياضيين في كافة الفئات العمرية، بدعم من مؤسسات خيرية أبرزها مؤسسة عبد القادر سنكري الخيرية، والعديد من الجنود المجهولون.
صعود منظّم
وفي عام 2015 صعدت الرياضة السورية الحرة العديد من الأدراج في سلم النمو، كانت خطواتها مدروسة وخططها طويلة الأمد، لذلك عمدت إلى تنظيم أمورها الإدارية وتأمين الدعم المادي لنشاطاتها، فتم توقيع عقد رعاية المنتخب الوطني بين الهيئة العامة للرياضة والشباب في سوريا ومؤسسة عبد القادر السنكري للأعمال الإنسانية في شهر أيار الماضي، بقيمة 20 ألف دولار شهريا، ينتهي بتاريخ 31/12/2015، مع قابلية التمديد. كما تم توقيع عقد آخر بين الهيئة والمؤسسة لرعاية منشآت وصالات وملاعب محافظة إدلب، التي استطاعت الهيئة الحصول عليها من جيش الفتح، بقيمة تتجاوز 7000 دولار منذ شهر أيلول حتى نهاية العام 2015، ويستفيد منها حوالي 60 موظفا في القطاع الرياضي.
كما حصلت الهيئة على عقد رعاية 4 مراكز تدريبية للأطفال بكرة القدم وفنون الدفاع عن النفس من منظمة بيتنا سوريا في حلب وريفها، منشهر أيلول حتى نهاية آذار 2016 بقيمة تتجاوز 25 ألف دولار. وتتجه النية لأن تشمل عقود العام القادم عددا من الاتحادات والمنتخبات واللجان داخل سوريا.
وكان للاتحادات الرياضية على اختلاف أنواعها، وجهات نظر اجتمعت على التفاؤل والحماس منقطع النظير بخصوص مستقبل الرياضة السورية الحرة، رغم صعوبة المرحلة التي مرت بها. وفي تصريح لـ”صدى الشام”، قال عضو الاتحاد السوري للسباحة، ميسر محمود، في حديثه عن عام 2015: “تعاونّا مع الهيئة العامة للرياضة والشباب في تكوين المشروع الرياضي الوطني الذي يجمع جميع الرياضيين السوريين الأحرار، حيث انضممنا كاتحاد سباحة لهذا النسيج، وانخرطنا في هذا المشروع الوطني الذي أثمر عن نتائج جيدة ومشاركة فعالة تعتبر كخطوة أولى لاتحادنا. نتمنى أن يتطور هذا التعاون وأن نتخذ خطوات أكبر في العام القادم، وأن تستطيع الهيئة أن تنتج بقية الاتحادات والتنفيذيات وتجتذب مجموعات أكبر من الرياضيين الأحرار، ليكتمل المشروع الرياضي الوطني بجميع الطاقات الرياضية من خبرات أو لاعبين ومدربين في جميع الرياضات”.
كذلك تحدث المدرب “يوسف شبلي”، لـ”صدى الشام”، عن المراكز التدريبية التي افتتحت في حلب: “تبدأ سعادتي عندما أنزع الحزن من قلب هذا الجيل الذي أحاول مع زملائي بناءه والعناية به، فتكون أول ابتسامة لهم عندما نرعاهم وننزع من قلبهم الخوف من ضغوطات الحرب والقصف والتهجير والكارثة التي نعيشها. فعندما يأتون إلى ممارسة الرياضة تبدأ أول خطوة من خطوات الفرح، ونعمل جميعا كمشرفين، على تهيئة الجو المناسب، ونشهد الابتسامة الكاملة على وجوههم، فيدخلون السعادة إلى قلوبنا. نحن نبني جيلا جديدا إن شاء الله، مناهضا لرياضة النظام، وذلك لتوصيل المعلومة الصحيحة لهم، ولبناء جيل صحيح للمستقبل”.
القادم أصعب
وعلى الصعيد الإداري، ما زالت الخلايا النشطة في الرياضة الحرّة منذ بداية العام 2015 حتى اللحظة، تجهد في عقد المؤتمرات التنظيمية والانتخابات التي تفرز تنظيمات ومفوضيات تستلم زمام قيادة المراحل القادمة وتنفذ متطلباتها. وكان آخر الورشات في مدينة غازي غينتاب،
حيث تم ترميم المكتب التنفيذي بحضور 80 بالمئة من الاتحادات واللجان والمكتب التنفيذي، ممثلين ومفوضين من قبل رياضيين يتبع كل منهم لاتحاد أو لجنة تنفيذية، وتم اعتماد 13 مكتبا لإدارة الأسرة الرياضية السورية الحرة عاما كاملا.
كان عام 2015 كثير الأحداث بالنسبة للرياضة السورية الحرة، كثر فيها الحلو والمر، فقدنا الكثير من الأبطال واكتشفنا الكثير منهم. ورغم ضبابية الأجواء وظهور الخلافات من وقت لآخر، بين الاتحادات الرياضية والهيئات المسؤولة عن نهضة الرياضة الحرة في بعض المراحل، إلا أنه لا شك في أن هدف الجميع كان واحدا، وهو رفع راية سورية الحرة، فما تفرقوا ولا اجتمعوا إلّا على هذه الراية. وعندما لا نجد الأخطاء في بداية تكوين حلمنا الرياضي، فسنعلم حينها أننا في وهم، لكننا عندما نغوص في بحر العمل أكثر من القول سنكتشف أن الأخطاء هي من ستقوّم الرياضة وتسير بها إلى الطريق الصحيح، والقادم أصعب..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث