*عمر دياب
أبو نضال, السوري كما يحلو
له, وكما يحلو للناس أن تناديه, كل من في الزبداني يعرف “أبو نضال” جيّداً,
يعرفون أيضاً سيارة السكودا البيك آب, التي تفتل بين أكوام الركام لإنقاذ الجرحى.
أبو نضال، كان يعمل في الباطون قبل الثورة, وبعد
الثورة أصبح يعرف كل البيوت, فهو المسعف الأول والحصري في تلك المدينة التي تعيش مع
الموت منذ ثلاث سنين, أبو نضال لا يخاف القصف, ويتجوّل في المدينة دون رهبة من الدبابات
والمدافع, اعترف ذات مرة في رمضان ما قبل الماضي, حين فاجأنا البرميل الأول “لن
يمنعني عن مهمتي سوى البراميل”, اليوم لا تخلو أيام الزبداني من برميل أو قصف
الميغ, ومع ذلك أبو نضال لم يفِ بوعده, وظلّ يخرج بين البيوت والبساتين, لينقذ أرواح
المدينة.
يمزح مع الجرحى قائلاً:
“لن تموت اليوم ستموت من أجل لايكاتك الغبية، لن تموت اليوم ستموت من جرعةٍ زائدة،
حلقنا لك شعر صدرك, لا تخاف صرت سكسي أكتر.. هذا التشوُّه لن يختفي, بس فيك تعمل تاتو
محلو”.
السوري في أيام الهدنة يزور
المرضى والمصابين بعد خروجهم من المشفى, ويعيد عليهم الطبابة كل أسبوع, ذات مرة طلب
مني أن أكون مع الجهاز الطبي, وحين رفضت ذلك, -لجبني وحماقتي- صار يقنعني بأن لديه
في الصيدلية كل أنواع المهدئات, (كابيتكول, ترامادول, مورفين) ووعدني أن أبقى مزهزهاً
طيلة حياتي.
أبو نضال ومع نزع كل شظية
من جسد المريض يقول له: هي مشان شو! مشان الحرية، يقول دوماً أن الثورات لا تقتل البشر,
وحدهم البشر من يقتلون الثورة، السوري لا يؤمن إلا بفيروز, يشرب القهوة سادة، والشاي
سكر زيادة، السوري لا يحب التكنولوجيا, السوري الذي يدفن الشهداء بيديه.
السوري الذي يودع أصدقاءه
مرةً في المشفى, ومرة في بيوتهم, ومرة في ساحة المعركة, وأحياناً كثيرة يودعهم في قبورهم.
منذ عام تقريباً وبعد المجزرة
قال لنا: ادفنوا كل اثنين في قبر واحد, قد تلزمنا القبور الأخرى ما زلنا في الصباح!
ذات مرةٍ وبعد مجزرةٍ أخرى
كانت تفوح منها رائحة الدماء واللحم المشوي قال لنا : خرجنا لندفن شهيدين، ثم عرفنا
أننا تركنا ثلاثة في تلك القبور.
أبو نضال السوريُ الذي يأبى
أن يفارق مدينته, يعشق كلّ حجرٍ فيها, وله في كل شارعٍ صديقٌ شهيد.
أبو نضال يعشق كل الأطباء,
وفي الوقت ذاته هو الحلم لكل الممرضات, ينظر كل يومٍ إلى نواصي المدينة, ويبكي, أعرف
أنه يبكي سراً كل الذين عاش معهم.
حين ترى أبو نضال, فاعلم أن
الموتَ يبعد عنك مسافةً طويلة
وأنك في هذه اللحظة ستسلم
من أيّة فاجعة
أبو نضال لا يترك الجهاز اللاسلكي
من يده, ينام باكراً, فهو على موعدٍ صباحيٍ مع شهداء اليوم الجديد.
السوري الذي تعرفه كل الكاميرات,
السوري الذي لم تفارقه مظاهرة واحدة، السوري الذي يكره كلَّ أنواع السلاح, ويعشق الثلج
فهو العطلة الرسمية الوحيدة التي تمنحه إياها السماء.
ذات يومٍ سألته: لمَ لا تسافر؟
ضحك، وقال لي: إن كان عليك
أن تنتظر الموت فانتظره في المكان الأجمل، تكفيني هنا الزبداني، وفيروز، وشهداء الأرض.
السوري لا يحمل روحاً واحدة
يحمل أرواحَ المدينةِ كلّها
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث