الرئيسية / Uncategorized / غابرييل غارسيا ماركيز ابن نفسه وكولومبيا

غابرييل غارسيا ماركيز ابن نفسه وكولومبيا

عمّار الأحمد
أديب مهجوس بالخيال. نصُّه مشهد سينمائي بامتياز. شخصيته تتحدّث وتسير، وتؤشر، وتفكر، وتشتم، وتحب، وتحزن أمامك مباشرة. لا شيء واقعي بالكامل، ولا شيء خيالي بالكامل. لا يمكننا فهم نصّه دون فهم تاريخ كولومبيا، ولكن وربما وبمجازفة نقول: لا يمكن فهم عوالم كولومبيا دون قراءة غابرييل كذلك. 
خياله هذا يدوّنه أسلوبه المميز الساحر، وهو كساحر يخلط كل القصص ببعضها، لتكتشف في نهاية القصة، أن النص مترابط، ويتطلب منك أن تعود لقراءته من جديد.
موهبته المميزة وغنى حياة أسرته وأهوال تاريخ كولومبيا هو عالمه الواقعي، ولكن ماركيز ومنذ وقوعه على نصوص كافكا، راح يجهد نفسه لفهم الأدب والرواية والكتابة فيها. الموهبة وحدها لا تكفي، فكان الجهد العلمي والعملي والتفرغ الكامل هو أساس فهمه لوظيفة الأدب، واختراع مدرسة خاصة به، تميز بها، وانتمى إليها الآخرون. الواقعية السحرية مدرسة كبيرة في الأدب في أمريكا اللاتينية، وهذا يعود إلى عظمة غابو.
غابرييل عاش أكثر من حياة. ونصوصه مليئة بالخرافة وإعادة بعث الأموات. وهناك الانتظار الأبدي لحدثٍ سيحدث، ولكنه لا يحدث أبداً. أو حدث سيحدث لا محالة، ولكن لا أحد يمكنه إيقافه أبداً. تنقل من كاتب صحفي إلى محرر أدبي إلى كاتب روايات إلى السينما تارة، ومن ثم إلى ناشر. عايش الفقر، وعاشه بالتفصيل، وأثناء عزلته لكتابة روايته مائة عام من العزلة، تراكمت الديون عليه لتبلغ 12 ألف دولار، ولكن مبيعاتها الكبيرة، أنقذته من الفاقة.
 لاحقاً وحالما أصبح روائياً مشهوراً لجودة نصّه، أصبح رجلاً ثرياً، فأصبح يمتلك ثروة كبيرة.
يعرف عنه انحيازه لليسار، واُنتُقِد طويلاً لعلاقته بكاسترو وكوبا، ومُنع للسبب عينه من دخول الولايات المتحدة الأمريكية كذلك، وبقي كذلك. ولكنه وقف إلى جانب كلّ قضايا التحرر الوطني ومنها القضية الفلسطينية، وبقي كذلك. موقفه السلبي مع كاسترو، يسيء له حكماً،  ولكن رؤيةً أعمق لدور الولايات المتحدة الأمريكية الاستعماري في القارة اللاتينية ربما توضح لنا سبب ذلك، إلا أنه كان مؤيداً للدكتاتورية الكوبية دون شك.
في رسالته الأخيرة، وقبل توقفه عن الكتابة والمعنونة لا تنتظر، ربما يحاول أن يعتذر بطريقته لكل من ظُلم، وعرف بذلك، ولم يبادر إلى مساعدته، وربما هي رسالة لأنسنة العالم الغارق في الفقر والألم والحروب والاستبداد والتعجرف وسواها. إنها رسالة حب من أديب لطالما أغرى العالم بنصه فقراءه،  وهم يهلوسون من المتعة.
ماركيز الأديب الأكثر شهرة في سوريا، وأكثر من عرفنا على أمريكا اللاتينية وسحر عوالمها ومخيالها؛ تلك العوالم التي نجهلها ببلادة حياتنا العربية، وربما لهذا السبب شاع، وطغى، وربّما لأنّه تكلم طويلاً عن الثورات والعسكر وبلغة ساخرة، تمكن منّا بشكل كبير، حيث أس مصائبنا.
رحل أديب كبير عن عالمنا، ولكنه أثرى عالمنا بشكل حقيقي. ربما لن يتكرر أبداً، وهذا بحد ذاته من علامات عبقريته الأدبية كذلك. ماركيز فارس الواقعية السحرية بامتياز؛ وبين الواقع والخيال والألم والحب والموت وانبعاث الأموات والتقطعات المفاجئة للنص والغرائبية عشنا مع غابرييل، وهذا سيكون زاداً لقرّائه الجدد، ليعيدوا غابرييل إلى الحياة مجدداً، وربما إلى القص من جديد.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *