ثائر الزعزوع
قد لا يعرف الكثيرون أن البوكمال هي واحدة من أوائل المدن التي تحرّرت، وأسقطت النظام كاملاً منذ تحرير مطار الحمدان العسكري، والذي كان آخر معاقل النظام فيها خلال شهر تشرين الثاني عام 2012، وهي المدينة التي استطاعت على مدى سنة ونصف السنة أن تقاوم دخول التنظيم الأسود إليها عبر تصدّي شبابها البطولي لعناصر التنظيم الذين استطاعوا فيما بعد شراء الكثير من الأشخاص وتجنيدهم لمصلحتهم وتحويلهم إلى مجاهدين يقاتلون الثورة، ويحاولون السيطرة على ما حررته، تماماً كما حدث بعد ذلك في الكثير من المناطق والمدن.
البوكمال، تتمتع جغرافياً بموقع فريد من نوعه، فهي وحيدة، هكذا قدرت لها الجغرافيا أن تكون مدينة وحيدة، بعيدة عن باقي المدن منزوية هناك في أقصى الشرق، تاركة ظهرها للعراق الذي تديره حكومة المالكي الشريكة في قتلنا منذ اليوم الأول للثورة، ولولا وقوف بعض أبناء عشائر العراق وتصدّيهم لقوات المالكي وهي تحاول دخول البوكمال لمساعدة قوات النظام في استعادة السيطرة عليها، لكانت البوكمال تحوّلت منذ فترة طويلة إلى قصير جديدة، لا قدر الله.
لكن مقاومة البوكمال للمدّ الأسود لم تدم طويلاً وللأسف بسبب انخراط الكثير من ثوارها في معارك دير الزور الطويلة، وقد حققوا انتصارات جيدة بسبب ما اكتسبوه من خبرة خلال صراعهم الطويل مع النظام، والذي امتد على مدى عام ونصف العام تقريباً، فقد انطلقت الثورة في البوكمال مبكراً وخلال الشهر الثالث من العام 2011 بدأت فيها أولى المظاهرات، وبلغت ذروتها خلال الشهرين الرابع والخامس، وقد حاول النظام اقتحامها وتأديب أهلها وإعادتهم إلى “حظيرته” مراراً وتكراراً، فخسر في إحدى محاولات الاقتحام ثلاث دبابات سيطر عليها أبناء المدينة المتظاهرون، واعتلوها، ورقصوا عليها في مشهد لا يزال ماثلاً في الذاكرة، وقد تناقلت وسائل الإعلام تلك الصورة الشهيرة لشباب يرقصون على ظهور الدبابات الثلاث، ويهتفون بفرح، تماماً كما تناقلت فيما بعد مقاطع فيديو تصور طيران النظام وهو يقصف بلا هوادة ليلاً نهاراً مسبباً دماراً هائلاً للمدينة، ثم تناقلت لاحقاً صور ثوارها وهم يقتحمون المقرات الأمنية ويطؤون بأقدامهم صور حافظ وبشار أسد، ويرفعون علم الثورة فوق تلك المباني التي شكلت على مدى أربعين سنة مصدر رعب وخوف فلم يسلم أي من أبنائها من الاعتقال، أو التوقيف في أحد الفروع، وحين قاموا بتحريرها رقصوا فرحاً أيضاً، ولعل الصورة التلفزيونية التي يتذكرها الجميع، إن كان ثمة من يتذكر، هي صورة أولئك الثوار وقد بدؤوا بالرقص والغناء على ركام هائل من تاريخ القمع والإرهاب الذي شكلته عائلة الأسد.
شكلت البوكمال فيما بعد مجلساً محلياً ثورياً من أبنائها، وشكلت كتيبة أمنية من ثوارها، وبدأت باستعادة صورة الحياة بشكل تدريجي، وقد أفلح مجلسها المحلي آنذاك في إعادة بناء بعض ما دمّره النظام، وعاد فرنها الآلي للعمل، وأخذت الحياة في المدينة المحررة شكلاً مختلفاً، صحيح أنها كانت بعيدة ومهملة طيلة سنوات حكم الأب وابنه الكريهة، وكانت تلك معاناتها الحقيقية، لكنها استطاعت أن تطرد سنوات الإهمال والتهميش، وتبدأ بالبحث عن مفردات الحرية التي استشهد لأجلها العديد من شبابها، فأصدر بعض ناشطيها صحيفة أسبوعية بإمكانيات بسيطة، وبدأ فيها حراك ديمقراطي بسيط من خلال انتخابات المجلس المحلي، وارتفعت أصوات معارضة ومنتقدة، وكل ذلك كان يبشر بالخير، وبنموذج متميز لمستقبل يحلم به السوريون.. لكن..
كل ذلك توقف الآن.
بدأ دخان النفط الأسود يلوح في الأفق، وقد أغوى الكثيرين، ومن بينهم بعض الثوار، فانخرطوا في لعبته، وتحوّلوا إلى تجار يتاجرون بالنفط، وباع بعضهم سلاحه لينضم إلى لعبة الثروة السريعة التي يحققها بيع النفط المسروق، ثم دخلت داعش على الخط لتكمل ما بدأه النفط، فاستولت هي الأخرى على البعض الآخر، وبدأت الرايات السود تلوح في الأفق، هكذا دخان نفط أسود، ورايات سوداء، وبدأت الثورة تخبو شيئاً فشيئاً، ولم يتبق منها إلا فكرة أن النظام سقط هنا في هذه البقعة الجغرافية البعيدة كل البعد عن أي جغرافيا أخرى.
لم يعد ثمة مجلس محلي، فهو كافر، لم تعد ثمة كتيبة أمنية فهي كافرة، بل ثمة صراع واقتتال دائم بين داعش من جهة والنصرة من جهة أخرى، فتقاسم مدينة مثل البوكمال صعب عليهما، ويريد كل واحد منهما أن يستفرد بالمدينة وقد يفرض الجزية على أهلها بعد أن حررها من ثورتها، واختطف بعض ثائريها وقتل آخرين.
في مقاطع الفيديو التي كانت تُسرَّب في بداية الثورة والتي كانت ترقص لها قلوبنا فرحاً، كنا نسمع صوت شاب يقول هنا مدينة البوكمال مدينة الله أكبر مظاهرة دعم لحمص، لدرعا، لدوما، لكن كل ذلك انتهى، صار من الماضي، سقط النظام هناك منذ سنة ونصف السنة، لكن الثورة لم تستطع أن تطفئ شمعتها الأولى، فقد أطفأها رافعو الرايات السوداء، وتجار النفط، ولم تعد البوكمال ترقص فرحاً بالنصر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث