فيكتوريوس بيان شمس
أثارت الثورة السورية ومازالت، جدلاً واسعاً في الأوساط الحزبية والثقافية العربية، أكثر من أية ثورة عربية أخرى، وبالأساس هنا، حول أحقية القاتل بقتل ضحاياه (شعبه) بحجّة مجموعة من الشعارات التي لم يفعل طوال فترة ممارسته للسلطة شيئاً أكثر من رفعها، لتكون غطاءً لعمليات نهبه وفساده، والاستمرار في السلطة. ثم أثارت جدلاً آخر في البلدان التي اضطر السوريون للّجوء إليها، وهو ما كوّن رؤية مغلوطة، تعكس وعي الناظر للمسألة من زاوية ذات بعد ثقافوي مشوّه، فتعمّم ما لا يعمّم. كأن يحكم مثلاً على كل سوري مقيم في مصر بأنه ينتمي لجماعة “الإخوان المسلمين”. وهي نظرة أحادية، ساهم في تعميمها إعلام ناقم، حاول نقل الأزمة المصرية برمّتها لوضعها في ملعب الخصم المفترض، وهو هنا، السوريون والفلسطينيون على حد سواء.
بعد “ثورة 30/6/2013” التي أطاحت بحكم “الإخوان المسلمين”، تبنّت بعض وسائل الإعلام المصرية مسألة اختلاق عدو، يؤمّن للسلطة الجديدة قدرتها على شدّ الوتر العصبوي الشوفيني باختلاق عدو آخر، يُفترض أنّه منحاز للإسلاميين، مع أن عدداً أكبر بكثير من السوريين، شارك فعلاً بالثورة على “الإخوان المسلمين”، رغم التعميمات والتنبيهات الكثيرة التي صدرت من عدّة هيئات سورية، داخل مصر وخارجها، والتي تنبّه السوريين من خطورة الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك.
في المحصّلة، رفع الغطاء السياسي والأمني والإنساني عن السوريين في مصر، لا بل صدرت مجموعة من البيانات الصفراء التي تحرّض عليهم، وعلى أرزاقهم، وهو ما عرّضهم لمشاكل لا حصر لها مع محيطهم الاجتماعي. ثم رُحّل عدد كبير منهم إلى دول أخرى كتركيا على سبيل المثال، وفرضت تأشيرة الدخول على القادمين، ثم عقّدت إجراءات الإقامة، والدراسة وغيرها، ممّا تسبب بمغادرة الآلاف من هذا البلد الشقيق، بشكل قانوني، أو تهريباً عبر البحر باتّجاه أوروبا.
بقيت ارتدادات هذه الأزمة تتفاعل رغم استكانة الجو المعادي، بحيث أخذت تحليلات “النخب المصرية” تنحو لافتراض أن أغلب السوريين الذين قدموا إلى مصر هم من أبناء الطبقات البرجوازية السورية. وهو كلام فيه شيء من الصحّة على المستوى النظري. لكن، هل هو هكذا فعلاً؟.
بلغ عدد السوريين الذين وصلوا مصر قبل “ثورة 30 يونيو” حوالي (250) ألف سوري في الذروة، موزّعين على أغلب المدن والمحافظات، وهو رقم متواضع أمام عدد السعوديين المفاجئ، والذي يبلغ بحسب بعض التقديرات حوالي (600 ألف)، لا يُعرف على وجه الدقّة طبيعة المهن التي يعملون بها، إضافة إلى أن وجودهم لا يزعج أحداً. إلا أن حال السوريين تغيّر بعد 30/ يونيو، لينخفض العدد بشكل واضح وملموس إلى ما دون (100 ألف) بسبب التحريض والمضايقات التي تعرّضوا لها.
لم يبقَ في مصر إلا من اضطّر فعلاً للبقاء، أي أولئك الذين لديهم أطفال في المدارس، أو من فقدوا أوراقهم الثبوتية، فحوصروا، وهؤلاء كُثُر.
أغلب السوريين الموجودين في مصر مسجّلون لدى “هيئة الأمم المتّحدة”، وهم يحملون ما يسمّى “الكارت الأصفر”. ولتسجيل السوريين “بهيئة الأمم المتحدّة” معانٍ كثيرة، أهمها: طلب الحماية من هذه المنظمة الدولية العريقة، إضافة للمساعدات العينية والمالية التي توزّعها على شكل حصص شهرية، ثبت أنها لا تساوي شيئاً في الواقع. هذا ما يؤكّد خطأ بعض “النخب المصرية” التي تعتبر الجميع من أبناء الطبقة البرجوازية.
لكن هذا الواقع بكل مساوئه يبقى أفضل بقليل ممّا هو عليه في لبنان مثلاً. هناك، في هذا الجار اللصيق الشقيق، حرّض بعض مسؤوليه بشكل عنصري فجّ على اللاجئين، دون أية إشارة إلى مساهمة “حزب الله” في مأساتهم، لا بل أن أغلب المحرّضين هم من المحسوبين عليه بشكل أو بآخر، فها هو وزير الطاقة والمياه اللبناني جبران باسيل، يدعو في “يوم النبيذ العالمي”، في ديسمبر 2012 لترحيل اللاجئين السوريين عن لبنان، بحجّة أنّهم “يأخذون مكان اللبناني”، هكذا ببساطة!. قبله بأشهر كان لنائب الأمين العام “لحزب الله” نعيم قاسم، تصريح لا يقل سوءاً، عندما اعتبر أنّ وجودهم تهديد لأمن لبنان. ثم وفي منتصف آذار/ مارس لهذا العام، ها هو الوزير السابق نقولا صحناوي، والعضو في “التيار الوطني الحر” زياد عبس، يحرّضان على اللاجئين السوريين بمؤتمر صحفي أُذيع على الإعلام. مع أن هؤلاء اللاجئين، هم من استقبل اللاجئين اللبنانيين إبّان العدوان الصهيوني في العام 2006 بحفاوة بالغة، وقبلهم العراقيين في العام 2006.
بينما تستقبل تركيا اللاجئين السوريين دون أي قيد أو شرط، لا بل سنّت الحكومة التركية بعض المراسيم التي تعاقب من يعتدي أو يهين أي سوري على أراضيها، ثم قامت بمنح أوراق ثبوتية مؤقّتة لمن فقدها، عدا عن إعفائهم من رسوم التعليم والاستشفاء أسوة بالأتراك.
لا بد وأن ما يحدث للسوريين، وقبلهم الفلسطينيين، يؤشّر إلى أمر خطير، قد لا تعالجه أية تسوية سياسية مرحلية. بمعنى: كيف سيتعامل المجتمع السوري بعد أن تنتهي هذه الحرب مع محيطه العربي والإقليمي؟ وإذا كان هنالك مخطّط استعماري جديد لتفتيت المنطقة، ألَم تُساهم هذه “النخب” بالمساعدة عليه؟، ألن تعزّز هذه الممارسات من النزعة العدائية عند السوريين تجاه كل من تعامل معهم بشكل مجحف لا إنساني؟.
أخطأت النخب العربية في التعامل مع مسألة اللاجئين السوريين من عدّة زوايا، أوّلها: إنكارهم حق شعب شقيق بنيل حقّه في التحرّر. والثاني: سوء تحديد طبقي لأوضاع مئات الآلاف ممّن اضطُروا للجوء. وثالثها ناتج عمّا قبله: سوء معاملة ستترك انعكاساتها على المجتمع السوري الجديد وعلاقاته مع محيطه.
يحصل كل هذا في ظل غياب واضح للنخب السورية، التي لا يُلحظ وجودها إلا في ميادين أوضح ما تكون، كما لو أنّها في السلطة التي تطمح إليها، كتكرار صارخ فاضح لممارسات النظام نفسه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث