فيكتوريوس بيان شمس
شُكّلت “وحدة تنسيق الدعم” التابعة “للائتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة” في كانون الأول 2012 لتقوم بمهام الإغاثة على الصعد كافة في الداخل السوري، وفي مخيمات اللجوء في الخارج.
ترأست الوحدة، السيدة سهير الأتاسي، رئيسة “منتدى الأتاسي للحوار” الذي تأسّس في دمشق 2001، ثم ما لبثت أن أغلقته السلطات السورية في العام 2005.
السيدة سهير الأتاسي عضو في “إعلان دمشق”، وقد عملت مع مجموعة من معارضي النظام كالسيد جورج صبرة، وهيثم المالح، وغيرهم. كما أنّها تشغل منذ أيلول 2013 منصب نائب رئيس “الائتلاف”، ورئيسة “وحدة تنسيق الدعم” منذ تموز الماضي.
قبل أسابيع ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي على “الإنترنت” بأخبار عن عمليات اختلاس وفساد تشوب “وحدة تنسيق الدعم” ورئيستها، حتى اضطرت الأخيرة للتوضيح على صفحتها الخاصة على موقع “face book” أن معاشها ليس (100,000) دولار كما يُشاع، بل (4000) دولار لا غير، وأنّها من عائلة غنية ومقتدرة، لا بل أن الثورة “حرّمتها كغيرها من امتيازات كثيرة”.
يوضّح بعض المتابعين أن المبلغ النهائي الذي تتقاضاه السيدة سهير الأتاسي هو (4000) دولار عن منصبها كنائب لرئيس “الائتلاف”، و(6000) دولار عن منصبها كرئيسة “لوحدة تنسيق الدعم” فيصبح المجموع (10,000) دولار شهرياً.
مصادر المعلومات حول “وحدة تنسيق الدعم” شحيحة جدّاً، المصدر الوحيد موقعهم على شبكة “الإنترنت”، وبعض الأخبار المتفرّقة على وسائل الإعلام، إلا أن الموقع لا يوضّح الكثير، لا يذكر حجم موازنته، ولا مصادر تمويله، أو كيف تُصرف هذه الأموال التي يقال أنها كبيرة.
يتحدّث الموقع فقط عن الإدارات التابعة للوحدة، وعددها (8)، أغلب أعمالها إدارية لاستجلاب التمويل، باستثناء “وحدة العمليات”. ينشر الموقع (11) بياناً فقط غير ذات أهمية، باستثناء بيانين يتحدّثان عن المساعدات المقدّمة لمدينة الرقة وهو مؤرّخ بـ 26/6/2013، والآخر بنفس التاريخ يتحدّث عن المساعدات المقدّمة للمتضررين من أهالي مدينة القصير.
يذكر أحد البيانين بعض الأرقام المتعلّقة بمسألة مشاريع النظافة المموّلة من الحكومة الفرنسية بشكل مشروط. في الموقع ستجد (9) تقارير لا غير، تتحدّث بعموميات عن أوضاع المدن والبلدات، والمخيمات المنكوبة، لا يُستشف منها إلا اللهم محاولة لاستدرار عطف المانحين لا أكثر.
أمّا على صفحتهم في موقع التواصل الاجتماعي “facebook” فإن الشغل الشاغل “للوحدة” في الأسابيع الأخيرة هو مسألة شلل الأطفال والتي باتت تقض مضاجع السوريين في الداخل بغياب اللقاحات تحديداً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.
بتاريخ 28/11/20013 أضرب بعض موظفي “الوحدة” وأغلبهم متواجدون في تركيا عن العمل ليطلقوا بياناً يتضمن (15) نقطة، تتحدّث أغلبها عن عمليات الفساد وإعادة الهيكلة، لترد السيدة سهير الأتاسي ببيان على موقع “الوحدة” محل الخلاف يتّهم المضربين عن العمل بالارتهان لجهات خارجية (بيان السيدة سهير، واحد من البيانات الـ11 الموجودة على موقع وحدة تنسيق الدعم)، إضافة لتهديدات متبادلة بكشف ملفات الفساد والاختلاس.
بتاريخ 2/11/2013، أي بعد أربعة أيام على تراشق البيانات، تقدّمت رئيسة “الوحدة” باستقالتها من “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” التي اعتبرها بعض أعضاء “الائتلاف” بادرة جيدة تدلّل على تحمّل المسؤولية. وفي 5/12/2013 صدر بيان وقّع عليه الدكتور بدر جاموس الأمين العام “للائتلاف”، يكلّف بموجبه الدكتور أسامة القاضي مديراً تنفيذياً للوحدة، يتمتّع بكامل الصلاحيات. إلا أن رئيس “الائتلاف” رفض الاستقالة، لتعود السيدة سهير الأتاسي عنها بعدها بأيام، وتكلّف بإدارة ملّف العلاقات مع المانحين.
كما ألغي القرار القاضي بفصل الموظفين العاملين في “الوحدة” بقرار من اللجنة التي شكّلها “الائتلاف” للتحقيق في المسألة، والتي يشغل عضويتها السيدان منذر آقبيق ويحيى مكتبي، وهي اللجنة نفسها التي خلصت إلى أن الأتاسي “غير مناسبة مهنياً وعلمياً وشخصياً لإدارة الوحدة”. ببساطة هذا يعني أن الأمور عادت إلى وضعها (غير الطبيعي) ما قبل الأزمة، وكأن شيئاً لم يكُن.
من مجمل ما حصل، يحق للسائل أن يسأل: ما المعايير التي تحكم اختيار الموظّفين الذين يديرون ملفّات بهذه الأهمية؟ ثم كيف، وعلى أي أساس تعالج مسألة من هذا النوع بغض النظر عن صحّة الاتّهامات التي طالت السيدة سهير الأتاسي من عدمها؟
يُعتبر “الائتلاف” أبرز الأطراف “المعارضة” على الساحة السورية، وهو من يُفاوض النظام الذي ارتبط وجوده في السلطة ارتباطاً عضوياً بالفساد، للوصول إلى “هيئة حكم انتقالي” من المتأمّل أن تنقل سوريا من حال الحرب إلى حال إعادة إعمارها. ومن نافل القول أن هناك ملفّات “دسمة” من المُفترض أن يديرها “الائتلاف” في المرحلة اللاحقة، فأي نموذج قدّم؟ هل ستُدار سوريا بذات الطريقة التي تدار بها “وحدة تنسيق الدعم” وغيرها من المؤسّسات؟ وإذا كان هذا هكذا، ما الفرق بين “الائتلاف” والنظام؟. وإن كنّا سنُعيد إنتاج الآليات ذاتها التي أنتجت هذا الفساد الذي أودى بالبلاد إلى أتون حرب طاحنة مزّقت الحجر والبشر.
بعد هذا، ألا يصبح التشكيك بصوابية الثورة من أساسها أمراً مطروحاً يجب نقاشه؟.
اتّهمت الأتاسي موظّفي “الوحدة” بالعمل لمصلحة أطراف أجنبية، وهو اتّهام خطير يجب التدقيق به كي لا نكرّر طريقة النظام نفسها في تصفية معارضيه، إذ لم يكن هنالك أسهل من فبركة اتّهامهم بـ “العمل لمصلحة جهات أجنبية”، أو “وهن روح الأمّة”، أو “إضعاف الشعور القومي”، وغيرها من البدع العجيبة. مع الأخذ بعين الاعتبار هنا، أن “الائتلاف” قائم أصلاً على مجموعة من التوازنات، تشكّل العلاقات مع الجهات الأجنبية بعداً أساسياً فيها.
مَن هي هذه الجهات الأجنبية التي يعمل موظّفو “الوحدة” لمصلحتها؟، ثم ماذا تريد “الجهات الأجنبية” من “الوحدة”؟، لأن من البديهي، أن “الجهات الأجنبية” قد تمنح المال مقابل القرار السياسي، أي أنّها قد تدعم “الوحدة”؛ لتحصل على شيء ما بمكان آخر خارجها!.
إحدى الطرق الأثيرة لحافظ الأسد بمعاقبة رجاله المخلصين تتلخّص في نقلهم وترفيعهم إلى مواقع أعلى، واحدة من الآليات التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث