الرئيسية / تحقيقات / سوريا… ثلاثة أعوام من الثورة

سوريا… ثلاثة أعوام من الثورة

تيم أبو بكر

في السابع من شباط عام 2011 أدّى التعامل السيء مع
المواطنين من شرطي تابع لوزارة الداخلية
السورية إلى احتشاد الناس في سوق الحريقة في العاصمة السورية دمشق رداً على ذلك
التعامل المسيء للناس.

شارك في ذلك
الاحتجاج المئات، ولم ترفع فيه شعارات سياسية، كان الهتاف الوحيد الذي يسمع هو
“الشعب السوري ما بينذل” لم يكن تاريخ الاحتشاد في سوق الحريقة هو تاريخ
لبداية الثورة كما يقول الناشطون العاملون في مجال الإعلام الثوري في سوريا، لكنها
وبكل تأكيد على حدّ وصفهم، كانت بداية لحدث كبير في البلاد. تلت أحداث الحريقة
تظاهرات في سوق الحميدية المشهور بازدحامه بالناس، نادت تلك التظاهرات بإطلاق سراح
المعتقلين في السجون.

في أواخر شباط عام 2011 تقول الروايات إن مجموعة من
الفتية من مدينة درعا في الجنوب السوري خرجوا يكتبون على جدران المدرسة شعارات اقتبسوها
من الثورات العربية التي كانت تعصف في المنطقة كالثورة التونسية والليبية واليمنية
والمصرية، ويقول أهالي درعا أن ردَّ الأمن السوري وتعامله مع تلك الحادثة جاء
بقسوة، حيث اُعتُقل الفتيان، وأُخضِعوا للتنكيل حسب الصور التي بثّها الناشطون،
حينها سارت تظاهرات تطالب بإطلاق المعتقلين الأطفال، واجهتهم قوات الأمن بالرصاص
بعد أن قال وجهاء من الوفد الذي قابل السلطات في مدينة درعا أنهم قد عاملوهم كما
المعتقلين، ولم يستمعوا لمطالبهم بل حتى أنهم أكّدوا أن هرم السلطة في درعا
“عاطف نجيب” قد أساء لهم بالكلام قائلا “انسوا أطفالكم واذهبوا إلى
أمهاتهم، واجعلوهن ينجبن غيرهم، وإن لم تستطيعوا ارسلوهنّ لنا، ونحن نجعلهنّ ينجبن”
بهذه العبارة خرج الوفد الشعبي الدرعاوي من مقابلته مع من يمثّل النظام. هناك
يقول” أنور جواد” أحد أهالي درعا الذين هاجروا هرباً من بطش النظام: إن
ذلك لم يكن اجتماعاً بين القيادة والشعب لحل أزمة، بل كان اعتقالاً بطريقة غير
مباشرة لأعضاء الوفد.

وقد سمعنا كلمات
نابية، وطُرِدنا بشكل مهين من مكتب عاطف
نجيب ابن خالة بشار الأسد بعد أن طالبناهم بالقليل من الإصلاحات ومحاسبة من اعتقل
الأطفال وآذاهم في أجسادهم ومشاعرهم، وأن يُقدّم لمحاكمة عادلة هذا كل شيء.

في 18 آذار عام 2011
كان قد تفجّر الغضب في درعا وراح الناس يخرجون
منادين بعبارة “مابي خوف بعد اليوم” ليمتدَّ ذلك الغضبُ إلى
محافظات أخرى، ثم ليُدفع بالجيش لمواجهة الناس العُزَّل حيث راحوا يقطعون الشوارع
بأثاث قديم من منازلهم والحجارة ليمنعوا الجيش من الدخول واعتقال المزيد من الناس،
وقد كان هذا المشهد موجوداً في درعا ودير الزور وحماه، وبعض أحياء حمص، وأصبح ذلك
التاريخ معروفاً لدى أهالي تلك المناطق بـ”أيام الحواجز

يقول “صالح الأحمد ” أحد المدنيين في مدينة
دير الزور: لقد اُضطررنا في تلك المرحلة لنصب حواجز كانت أشبه بالدروع البشرية بعد
أن استفحل أمرُ النظام وقواته الأمنية، حيث بات يُعتقل في كلِّ يوم عشرات الناشطين،
ويُنكّل بهم بعد أن وصل عدد المتظاهرين في المدينة وحدها لنصف مليون متظاهر في أيام
الجمعة المتتالية ناهيك عن الاعتصامات السلمية في كل يوم، ممّا جعل النظام يجنُّ
جنونُه، ويرسل لنا قوات من الحرس الجمهوري لإخماد نار الثورة التي أشعلها أطفال درعا.
بدأ القتلى والجرحى يسقطون كلَّ يوم بأعداد متزايدة، وشنَّ الأمن حملات اعتقال
طالت المثقفين والسياسيين المناوئين لنظام بشار الأسد، وشملت الاعتقالات الفنانين
الذين خرجوا بمظاهرات في العاصمة دمشق، وكانت تلك المظاهرات تحت شعارات “إسقاط
النظام، وسوريا بدها حرية، والشعب السوري واحد”

شعارات سلمية ميّزت الثورة السورية عن باقي الثورات خاصة
تصوير المظاهرات بعدسات أجهزة الهاتف من هواة، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي
كل يوم.

في ذلك الوقت شنّت قوات النظام السوري حملة واسعة في
مدينة بانياس الساحلية لإخضاع أهلها الذين اعتنقوا الثورة، وخرجوا على سلطة الأسد
إلا أن ردّ النظام كان وحشياً كما قال الأهالي هناك، وقد سربت عدة مقاطع من قرية “البيضا”
التابعة لبانياس تظهر تعامل قوى الأمن مع المدنيين، وكانت المعاملة مهينة لدرجة
كبيرة حيث وقفوا على أجسادهم، وطلبوا منهم الهتاف لبشار الأسد، لكن وفي الوقت نفسه،
كانت المظاهرات تجوب المحافظات الأخرى، وهي في ازدياد وكان شعارها الوحدة الوطنية
ورفض الطائفية في حين أن النظام السوري أصرَّ على فكرة المؤامرة الخارجية ودور
الدول الخارجية في تغذيتها، جاء ذلك على لسان الأسد في أول ظهور له في الأزمة
عندما خطب في مجلس الشعب، وقال: “إنه لم يعد يخفى على أحد أمر المؤامرة التي
تحدث في سوريا، وهناك خيوط تُحرّك المؤامرة، وهذه الخيوط بعضُها من دول خارجية،
وأخرى عربية، كما لها بعض الخيوط داخل الوطن” ردت حشود الناس على الخطاب
بمزيد من التظاهر ورفعوا سقف المطالب.

يقول “عمار
وقاف”: أحد الإعلاميين المدافعين عن سياسة نظام الأسد في التعامل مع الأزمة
في لقاء على الجزيرة: لم تتعاطَ الحكومة السورية مع المتظاهرين بشكل يختلف جذرياً
عما تعاملته به الحكومة المصرية أو الحكومة التونسية وغيرها من البلدان العربية
التي شهدت انتفاضات، فعلى سبيل المثال عدد القتلى المدنيين بعد مرور ثلاثة أسابيع عن بدء الانتفاضة
السورية كان أقل من عدد القتلى المدنيين الذين سقطوا في تونس، حيث أن الثورة
السورية لم تتحوّل إلى الشكل العنيف كما في تلك البلدان. امتدت التظاهرات إلى
المدن الكبرى حمص ودير الزور التي حوصرت
أغلب أحيائها، وما تزال، وحماه المدينة التي تعرّضت في ثمانينيات القرن الماضي إلى
ما وصفه معارضون سوريون بالمذبحة التي نفّذها نظام حافظ الأسد في ذلك الوقت.
اشتعلت حماه وباقي المدن على هتافات “ابراهيم قاشوش” في حماه سارت حشود
بشرية ضخمة في الشوارع، واستقبلت الحشود سفراء الدول الغربية بالترحاب، وطلبت منهم
المساعدة لوقف الانتهاكات التي ترتكب
بحقهم من الأسد وقواته إلا أن الدبابات اجتاحت حماه بأسابيع، وأُخْضِعت للسيطرة
العسكرية إلى هذه اللحظة بعد حصار دام
شهر.

حاولت السلطات
السورية تقديم بعض التنازلات وحلول
للإصلاح على حدِّ زعم المؤيدين لنظام الأسد، وذلك عبر إلغائها قانون الطوارئ
وإجراء انتخابات برلمانية، قاطعتها المعارضة ووصفتها ” بالمسرحية
الهزلية” ونُظّمت المسيرات المؤيّدة للرئيس عبر إجبار معظم الناس للخروج فيها
من خلال تهديدهم بوظائفهم وأمنهم على حد قول المعارضين وجدّد الأسد، وما يزال وصف
ما يحدث بسوريا بالمؤامرة، وهو يقول في كلِّ مرة يظهر فيها أن الأزمة قد انتهت،
وهي في مرحلتها الأخيرة بعبارة “خلصت” ممّا دفع المعارضون لجعل خطاباته
مادة للسخرية والاستهزاء يقول “أحمدالدوماني ” أحد المعارضين في دمشق
والذي يعمل بإحدى الصفحات الإخبارية: لقد أصبحنا ننتظر خطابات الأسد بفارغ الصبر
لما تحمله من مواد للسخرية، فهي غنية بالكذب والتناقض حتى وصلت حدّ الخروج عن
الواقع.

لكنّ أيامَ وأشهر التظاهر والقمع المضاد وصلت إلى حدّها
عندما بدأت العسكرة متزامنة مع انشقاق عدد من الضباط وعناصر من الجيش العربي
السوري، وشكلوا نواة ما يُسمّى الآن الجيش السوري الحر بعد أن رفضوا تنفيذ الأوامر
بإطلاق النار على المدنيين، كما قال هؤلاء المنشقون في بيانات انشقاقهم كـــ( حسين
هرموش ورياض الأسعد وغيرهم الكثيرين )على صعيد مُتّصل، شهدت مدينة حلب ثاني أكبر
مدن البلاد وأكثرها ازدهاراً صناعياً تحوُّلاً نوعياً فيها، حيث توسّع الحراك،
وسرعان ما اشتعل الصراع المسلح بين الجيش الحر وقوات النظام.

أدت العسكرة المتزايدة وخصوصاً في نهاية العام 2011 وما ترافق
معها من ضخ السلاح والأموال من دول إقليمية كانت قد أعلنت صراحة دعمها للثورة
السورية، وتسليح المعارضة السورية، وقد ظهر خليطٌ واسعٌ من المجموعات المسلحة التي
أخذت تأخذ تسميات مختلفة تحمل طابعاً إسلامياً، وكان من بينها تنظيم الدولة
الإسلامية في العراق والشام/داعش/، وجبهة النصرة اللتين أعلنتا علانية موقفهما من
نظام الحكم في سوريا بوصفه علمانياً وكافراً،
وأن الشعب السوري مسلم، وصف النظام السوري
بالعلماني، بينما الشعب السوري شعب يحب التديّن.

بعد انتشار
السلاح في البلاد، تراجع زخمُ التظاهرات السلمية لعدة أسباب كما يقول الناشطون،
إما لنزوح أغلب المدنيين خارج الوطن بسبب العمليات العسكرية الشرسة التي دفعت بها
السلطات السورية نحو المحافظات الثائرة، وإما لانشغال ما تبقى من الناس بصدّ تلك
الحملات والدفاع عن مدنهم ومنهم من أشغلتهم
لقمة عيشهم المحدودة داخل المناطق المحررة بعد أن قُسِّمت بعض المدن بين
الجيش الحر والجيش النظامي، وأصبحت جبهات القتال في كل مكان أو لعدم توفُّر الأجواء المناسبة للتظاهر بسبب
القصف المتواصل على المدن بالقذائف
والبراميل والصواريخ التي تلقيها الطائرات
السورية المقاتلة فوق رؤوس المدنيين في معظم المدن والتي أودت، وتودي في كل يوم من
عمر الثورة بحياة المئات من السوريين على
امتداد رقعة المناطق المحررة. يقول ناشطون
أن ثلاث سنوات مرّت على الثورة السورية خلّفت خسائر هائلة في الأرواح، حتى أننا لم نعد نعلم ما هو العدد الحقيقي
للشهداء، وبتنا نعتمد في إحصائياتنا على المنظمات الدُّولية ناهيك عن تدهور الاقتصاد
والخراب المخيف في البنية التحتية التي
تحتاج إلى مئات المليارات لإصلاحها كما هناك ملايين المُهجّرين خارج الوطن الذين
يعيشون ظروفاً لا يُحْسَدون عليها في مخيّمات النزوح لكن يبقى التخوُّف الكبير لدى هؤلاء الناشطين حول ما يشاع في الأوساط الإعلامية
والسياسية عن تقسيم للبلاد الذي قد تلجأ
له الدول الكبرى بالاتفاق مع النظام السوري
لإيقاف حمامات الدّم في سوريا، وخاصَّة أنّ أغلب المساعي الدبلوماسية قد انتهت
بالفشل، وآخرُها مؤتمر جنيف2.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *