الرئيسية / رأي / السوري وحروب الآخرين

السوري وحروب الآخرين

عبد القادر عبد اللي 
قبل أيام احتفل السوريون الثوريون بانتصار الثورة الأوكرانية المباركة، وكأن القضية الأوكرانية انتهت، ولم يتذكروا بأن المعارضة الأوكرانية الحالية كانت حاكمة قبل ذلك، وهي نفسها لم تستطع أن تفعل شيئاً لروسيا… ولكن دخول الروس عسكرياً إلى القرم، و(احتلالهم) هذه المنطقة ربط ألسنة هؤلاء السوريين، وباتوا ينتظرون نزول المظاهرات في موسكو متناسين أنها نزلت قبل فترة طويلة، وقُمعت بشدّة.. 
من الجبهة الأخرى تحدّث المحللون السياسيون الممانعون والمقاومون عن الشرعية الأوكرانية المسفوكة على أيدي المتطرفين القوميين المسلحين الأوكرانيين بدعم من الغرب والولايات المتحدة الأمريكية… بمعنى آخر، تحوّل الصراع الأوكراني الروسي إلى صراع بين النظام والمعارضة… بمسميات متشابهة ومتطابقة لما يُستخدم في سوريا أحياناً… 
الأمر نفسه ينطبق على مظاهرات فنزويلا، على الرغم من عدم اهتمام الإعلام العالمي بها كثيراً. فقد أيّد الثوار السوريون المتظاهرين الفنزويليين ضد خليفة تشافيز… ودعم الممانعون المقاومون الشرعية في مواجهة الغرب والولايات المتحدة والإمبريالية الأمريكية… 
في قضية الصراع بين حكومة العدالة والتنمية وفتح الله غولان أيضاً تخوّف السوريون من خسارة أرضوغان الانتخابات، وبالتالي أن يلاقوا معاملة كالتي حدثت في مصر التي أصبحت ممانعة مقاومة وتتهم الولايات المتحدة والغرب والامبريالية بدعم الإرهاب الأخواني، وهنا بالمناسبة، أقول إن الاستحمار للناس قضية قائمة منذ الأزل، لذلك علينا نحن المتفرجين الذين نعتبر حميراً بنظرهم ألا نغضب من هذه المتوالية: “الغرب، أمريكا، الإمبريالية… إلخ.” وقد استوردها حافظ الأسد بحقوق حصرية لمنطقة الشرق الأوسط من المنظومة الاشتراكية قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وقد أضاف إليها نكهة خاصة به اسمها “أطراف كامب ديفيد”. الطريف جداً عندما يقدم الممانعون المصريون (أطراف كامب ديفيد سابقاً) هذه المتوالية على قناة العربية التي نعرف أنها سعودية… والسعودية لا تخفي صداقتها لأوربا والولايات المتحدة والإمبريالية.. 
نعم، عشنا عقوداً، والخوف يسكننا في حلّنا وترحالنا. فالخوف في سوريا من كل شيء ينتقل مع السوري إلى خارجها أيضاً، لأن جهاز المخابرات الخارجية السوري يختلف عن أجهزة المخابرات الخارجية العالمية كلها بأن عمله هو ملاحقة السوريين وكتابة التقارير حول ماذا يتكلمون؟ وبمن يلتقون من مواطنيهم غير المخلصين؟ ومن مواطني الدول العربية المعادية.
 ثم انتقل إلى قلوبنا خوف أشد هو الخوف من الغد، وصار أي موقف مهما كان صغيراً يُثير مخاوفنا، ويجعلنا نرتجف… هذا الخوف جعل الصراع بين غولان ورجب طيب أرضوغان محط رقابة السوريين أكثر من رصدهم لأخبار سوريا ذاتها… فهم يخشون على شظف العيش في هذا البلد لسبب واحد هو الأمان النسبي وعدم التعرّض لهم، والمعاملة المقبولة من الناس عموماً والجيدة من قسم كبير من الناس. 
ما إن ارتاح السوريون قليلاً حتى عادت قضية غولان للانفجار ثانية، فالتسريبات الصوتية التي نُشرت أثرّت كثيراً على وضع حزب العدالة والتنمية، خاصة بعد ادّعاء صحيفة أمريكية بإمكانية نشر أشرطة فيدو لكبار أركان حزب العدالة والتنمية… أي أن الترقب على أحر من الجمر… 
لم تسكت الحكومة التركية على هجوم غولان، فقد كانت هذه القضية موضوع اجتماع هيئة الأمن القومي المنعقد في شهر شباط، وجاء في تصريح رسمي بأن هيئة الأمن القومي ناقشت قضية البنية الموازية (هذه التسمية المعتمدة حالياً لجماعة فتح الله غولان). وقد أقرّ “قانون تنظيم معاهد الدروس الخاصة” بسرعة كبرى، وهو القانون الذي كان الشعرة التي قصمت ظهر البعير. 
الأبعد من هذا هناك تسريبات صحفية تقول إن اتصالات مكثفة تجري سراً بين الولايات المتحدة والحكومة التركية من أجل تسليم فتح الله غولان، حتى إن هناك من يدّعي تحضير سجن إيمرلي الذي يقيم فيه عبد الله أوجلان من أجل سجن فتح الله غولان فيه، ويبدو أن هذا أيضاً جزء من الحرب النفسية القائمة بين الطرفين… 
الأمر غير المستغرب نهائياً أن أدعياء الإلحاد والعلمانية يؤيدون بحماس شديد إسلام يمين أرضوغان المتمثل بفتح الله غولان في تركيا، ويؤيدون إسلام يمين الأخوان في مصر المتمثل في الجماعات السلفية المتحالفة مع السيسي بحجة الخطر الإسلامي القادم من أرضوغان وأخوان مصر… ليس مستغرباً لأن السياسة تبيح كل شيء، وهنا تخطر ببالي عبارة بالتركية فيما لو ترجمناها حرفياً تعني “ممارسة السياسة” ولكنها تعني بلغة الناس “الكذب” وفيها نوع من الذكاء الفطري الشعبي، فالسياسة غالباً ما تكون فن قول الكذب والإقناع به، وعندما نسمع الكذب السياسي، ونعرف أنه كذب، فهذه ليست ميزة تشير إلى تفوقنا وذكائنا بقدر ما هي ميزة تشير إلى تخلف السياسي وجهله. 
البعض يعتب على الفضائيات العربية لأنها باتت تهمل الخبر السوري، ألا ترون أن السوري نفسه بات يهمل خبره السوري، وهو يلهث وراء أوكرانيا وفنزويلا؟!! 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *