الرئيسية / رأي / هل هناك طبخة موازية لجنيف؟

هل هناك طبخة موازية لجنيف؟

عبد القادر عبد اللي 
كثر الحديث عن لقاءات بين وفدَيْ النظام والائتلاف الوطني على هامش مؤتمر جنيف في المرحلة الأولى، وتراوحت بين النفي والتأكيد. بُنيت هذه الأحاديث عموماً على تجارب سابقة في المفاوضات الدولية، وأهمُّها المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية في أوسلو على هامش مدريد. 
فهل هناك لقاءات حقيقية؟ بالطبع لا يمكن تأكيد هذا أو نفيه على الرغم من التأكيد والنفي الذي تتلقفه وسائل الإعلام لأهداف عديدة. 
من المؤكّد أن اجتماعات جنيف هي اجتماعات علاقاتٍ عامة، وهذا ما حدث، ففي الجولة الأولى تحدّث الجميع عن أداء الوفدين، وقارن بينهما، وخصصت التلفزيونات ساعات طويلة تحدثت فيها عن كل حركة وابتسامة وتعبير وجه وكلمة قالها أعضاء الوفدين… وإذا كانت القضية بالنسبة للنظام علاقات عامة بطلب من (أصدقائهم) الروس، فهي لا تتعدى بالنسبة للمعارضة السورية العمل بمبدأ “الحق الكذاب لورا باب الدار”… وإذا كان وفد المعارضة قد حقق بعض النقاط في الجولة الأولى، وأخرى في الجولة الثانية، فمن المعروف أن النقاط تحتاج إلى استثمار… 
لعل شرفة أنقرة هي الأقرب إلى المشهد، ومنها يمكن أن نُطل على ما يجري. ثمّة انتخاباتٌ قريبة في تركيا يتفق السياسيون جميعاً على اعتبارها مفصلية، وعلى الرغم من أن الوضع التركي الداخلي حرج يتطلب كلّ جهد من رئيس الحكومة التركية رجب طيب أرضوغان في ظل هجوم على حزبه لم يشهده من قبل، فقد قام بسلسلة زيارات كثيرة ومكثفة إلى دول فاعلة على الساحة السياسية والعسكرية السورية، وهما إيران وروسيا، والتقى بمسؤولي دول أوربية وازنة على الساحة الأوربية خصوصاً والدولية عموماً منها المستشارة الألمانية ورؤساء حكومات إسبانيا وإيطاليا… وتُوِّجت هذه اللقاءات بزيارة تميم آل ثاني أمير قطر إلى تركيا ولقائه برئيسي الحكومة والجمهورية، وكان لقاؤه مع رئيس الحكومة التركية طويلاً، فبعد استضافته في شاليه للدولة، ركبا معاً القارب وقاما بجولة في البوسفور، ثم انتقلا إلى مكتب رئاسة الحكومة في قصر ضولما بهتشة، وعقدا هناك اجتماعاً دام أكثر من ساعة، لينتقل بعدها الشيخ تميم إلى أنقرة ويلتقي رئيس الجمهورية التركية… 
أبرزت وسائل الإعلام العالمية الصمت المطبق على زيارة أرضوغان إلى طهران، ولكن المؤكد أن الموضوع السوري كان الأساسي، وليس الاقتصادي كما قيل، بدليل وجود رئيس المخابرات التركية في طهران بالتزامن مع زيارة أرضوغان وحضوره الاجتماع مع مرشد الثورة الإسلامية علي خامنئي بصحبة وفد بلاده. وفي الزيارة إلى موسكو أيضاً تم تجنب ذكر سوريا، والقضية السورية كما جرت العادة في اللقاءات التركية-الروسية عموماً، ولكن الأمر لا ينطبق على زيارة أرضوغان إلى ألمانيا، فقد عاد إلى نبرته السابقة عند ذكر النظام السوري، وتحدث من هناك عن القتل تحت التعذيب الذي يجري بشكل ممنهج في السجون السورية، واعتبر أن ما سرب من صور ليس إلا جزءاً بسيطاً مما يجري على أرض الواقع، وبهذا خاطب الرأي العام الأوربي باللغة التي تستثيره… 
إذا كانت روسيا وإيران تقومان بالعمل المطلوب منهما نيابة عن النظام، فمن الذي يقوم بالنشاط نيابة عن المعارضة؟ لاشك أن السعودية تقوم بالعمل من زاويتها بالتواصل مع الأمريكيين، ولكن الجناح الثاني للمعارضة، وهو الجناح المدعوم تركياً وقطرياً فمن المؤكد أن هاتين الدولتين تقومان بالواجب نيابة عنه. ولا يمكن فصل نشاط أرضوغان الكثيف في هذه الأوقات الحرجة لاستثمار النقاط التي تحققها المعارضة عما تقوم به كل من طهران وموسكو للتخفيف من آثار خسارة وفد النظام بعض النقاط في الجولتين الأولى والثانية لمباراة جنيف… 
ثمة مثل عربي مهم يقول: “الكلب الذي ينبح لا يخيف”… وبالتالي فإن الصراخ الشديد غالباً ما يكون ناجماً عن خواء، فعند عدم وجود أي شيء يعلو الصراخ للإيهام بأن هناك شيئاً ما يجري… وبناء على هذه المقولة أو المثل، غالباً ما يكون وراء الصمت أمرٌ ما، ولكن ما هو؟ 
بدأت تعلو من جديد بعض الأصوات التي تتحدث عن طبخة يجري الإعداد لها، وجاء كلام فراس طلاس على الفيس بوك بأن هناك معلومات لديه عن طبخة يُعدُّ لها تقضي بإشراك بعض أطراف المعارضة وخاصة “الأخوان المسلمون” في حكومة سورية، وإلغاء القانون 49، مع إقصاء رؤساء الأجهزة الأمنية عن المشهد جزء مهم من التوقعات التي تقول كل المؤشرات بأن بورصتها ستصعد إلى الذروة… 
نعم، الطبخات كثيرة، ولم تتوقف منذ اليوم الأول، وهذه الطبخة التي أعلن عنها فراس طلاس بحد ذاتها طرحت كأول حل لإخراج النظام من مأزقه آنذاك، وقبلها النظام، ثم رفضها، وبعد أشهر قليلة قبلها الإيرانيون (هذا يدل على أنهم هم الذين رفضوها بداية، وقبلوها ثانية)، وليس غريباً إعادة طرحها الآن، ولكن المؤكد أن السياسيين الحقيقيين دائماً لديهم ما يخبئون في جعباتهم، أي أنه ليس بالضرورة أن تكون الوصفة كما وصفها طلاس… إن اللقاءات التركية التي يجريها أرضوغان في الفترة الأخيرة تشير إلى أن هناك شيئاً ما يُطبخ… ولكن رائحته لم تخرج بعد… 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *