غريب ميرزا
في دروس البيولوجيا التطوريّة، يمكننا أن نستخلص مقولتين أساسيتين تهمنا هنا، الأولى حول تراتب الأجزاء من الأقدم فالأقدم إلى الأكثر حداثة، ومع هذا التراتب يزداد التعقيد مع بقاء الأجزاء الأكثر قدماً فاعلة بطريقة ما في مكان عميق، والثانية (تبدو كفكاهة)، حيث الكائن الأكثر تطوراً يتكوَّن من جذع وأقدام قديمة تبدو أنها أكثر ثباتاً، وأقل حساسية، ومن رأس أكثر حداثة يبدو أنه أشد حساسية بكثير وأقل ثباتاً.
تتراكب هاتان المقولتان معاً، وهما منتجان في البيولوجيا التطورية منذ أيّام دارون حتى اليوم، ولا نستطيع هنا أن نعرف ماإذا كانت النظرية الدارونيّة، القائمة على الملاحظة الواقعية بدرجة ما، قد أدّت إلى تكريس هذه الرؤية التطوُّرية (أقدم –أحدث) في الفضاء الفلسفي والسيكولوجي، أم أنّ الرؤية الفلسفية والسيكولوجية (الكامنة) والقديمة) قد أدت إلى هذه النظريّة الدارونيّة، حيث تكون قد أمَّنت المجال الفكري لدارون (الشخص)، ومن ثم لدارون (الحالة). هذا التساؤل ضروري من ناحية تمسّ تراكب المقولتين ذاتهما. ويمكننا تبسيط الأمر (بغض النظر عن التعاقب التاريخيّ) هل فرويد (في ماوراء مبدأ اللذة) أثّر أم تأثّر ب (دارون) وكلاهما، أقصدهما، كحالة لا كأشخاص.
هذا ليس دعوة إلى الشكوكية، لكنّها مداعبة لهاتين المقولتين، من داخلهما. إذاً:
عندما يتفرّع من ( حدث) أو ( عنصر) ما، عنصر جديد لم يكن موجوداً، نكون أمام كائن ليس مساوياً لمجموع الحدث الأقدم والحدث الأحدث، بل هو كائن أكبر من هذا المجموع (نظرية التعقيد و المنظومات) وإن كان تقليلُ هذه الفعالية مجهداً لحدّ الآن.
هذا الحدث الأقدم- أو الأكثر قدماً – سأقول أنّه ثابت ، أيّ من الصعب تغييره، ولكنّ تغييراً بسيطاً فيه سيؤدي إلى تغيير بمقياس أكبر جداً على صعيد الحدث الأكثر حداثة. يبدو أنّه –إضافة إلى ذلك- يمتلك وظيفة: العنصر الراعي، أي أنّه يقدّم وجوده كأساس لعمل العنصر الأحدث.
أمّا العنصر الأحدث، فيبدو أنّ أقل ثباتاُ بكثير، أي أنّه أكثر قابلية بما لا يقارن للتفاعل، وبالتالي لحدوث التغيرات فيه، وباعتباره قناة التفاعل مع الكائنات الأخرى، فهو العنصر الذي ينتج الفاعلية مقارنة بالأكثر قدماً الذي لا يبدو حينها أنّه منسي وغير مدرك (أو غير متفاعل).
وعلى سبيل الفكاهة سأستعير هذا المثال من أحد الكتاّب الألمان، حيث قارن بين السيارة القديمة والسيارة الحديثة، جميعنا يعرف أنّ السيارة القديمة تعرض إلى تلف أقلّ بكثير من السيّارة الحديثة ( والتي قد تتوقف) عند تعرّض كليهما إلى نوع العطب ذاته (عطب في دارة كهربائية مثلا) أو اصطدام بحاجز البيتون.
وأيضاً، إذا قارنا تخرّب الفص القشريّ الجبهيّ لدماغ كلب، مع تخرّب ذات المنطقة من دماغ إنسان، فهذا الكائن المدعو ( كلب) سوف لن يتأثّر بالمقدار الذي يزحزحه عن كونه هو (كلب) أمّا، الكائن المدعو (إنساناً) فسيفقد فعالياته التي تكسبه هويته العاقلة.
بالطريقة ذاتها، يمكننا أن نتأمّل في هذا التركيب الكونيّ (أقدم- أحدث) فمثلاً، عاصفة شديدة قد تؤدي إلى انقطاع التيّار الكهربائي، ونتيجة لذلك سيتعطّل النقل،والمشافي…الخ، مما قد يسبّب كارثة حضاريّة، ولكن هذه العاصفة لن يكون لها هذا الأثر على قرية تعتمد طاقتها على الحطب وروث الحيوانات.
بهذا يمكننا القول رمزيّاً: إنّ الجذور جميعها متشابهة وتختلف الثمار.
من هو الكائن؟ (ومن يحدّد الهويّة؟)
نحن كبشر نتشابه مع الفأر ب 90 % من شريط الدنا ( DNA) الخاص بنا، من الواضح أنّ هذه الجذور لا تحدّد هوية شيء، ووصفنا السابق لقناة التفاعل بين الكائنات، توضّح لنا كيف أنّ (الأكثر حداثة) هو من يحدّد هوية الكائن.
بالتشبيه السابق: نوع الثمرة هو من يحدّد نوع الشجرة لا جذورها. و ال 5% المتبقية هي مايجعلها مميّزين عن الفأر.
إذن يبدو أن روح العالم تقع في هذا الجزء الجديد البازغ الأقل ثباتاً والأكثر حساسيّة، ولكنْ، لنفكرّ في وجهات نطر أخرى.
ولكن قبل أن نبدأ بها، لندافع عن مقولتنا حول موقع روح العالم.
سأقيم دفاعاً واقعيّاً:
عند قيام الربيع العربيّ، ولنتكلّم عن الثورة السوريّة، ماذا قدّم النظام الحاكم: لقد قدّم خطاباً يميل إلى مفاهيم تصبّ في (الديمقراطية والليبراليّة) عندما يكون الخطاب عالميّاً، وهو ذات الخطاب الذي قدّمته المعارضة، والدّليل على هذا، أنّ الإسلاميين يبدون للكثير من المراقبين أشدّ خطورة من السلاح الكيميائيّ ضد المعارضة. وكلا الطرفين كانا يتبادلان المحاولات لتحطيم هذا الخطاب، والتشكيك به. ماالسّبب؟
حتماً هو ليس إرضاء الرأي العام العالميّ بحدّ ذاته، بل هو لإرضاء الرأي العام العالميّ لأسباب أخرى، هذه الأسباب هي ماتشكّل حجة وجهات النظر الأخرى، إنها تمتدّ إلى الأجزاء الأقدم.
وهنا في هذا العرض الواقعي أقص جبهات القوة العسكريّة العالميّة( من الواضح جدّاً أنّ منظومة السّلاح لم تعد بين جيشين، بل هي واقعة تحدّد القبّة العالميّة).
المثقّف أعزل:
جميع _وجهات النّظر الأخرى)، ترى أنّ الجزء الأقدم هو مايتحكّم حقيقة وبفعاليّة في (الكائن) أو هو موقع روح العالم. بمعنى بسيط، سيبدو تافهاً أن تقاوم الرصاصة بفكرة، لأن رصاصة ما، ستخترق الدماغ الحاوي (الأكثر قدماً) وتحطّم بالتالي الجزء الأكثر حداثة والمسؤول عن إنتاج الفكرة. إذاً من يتحكّم بالأجزاء الأحدث؟
ضمن هذه الرؤية، تسلّح المثقّف الأعزل في سوريا بواسطة الثورة، لأن جسده، الأكثر قدماً، كان تحت السكّين لعقود. نعم، لقد ساوتنا الثورة بالمسيطر السابق وحطّمته
لكن لنلق نظرة أخرى:
عندما تكلّمت عن الديمقراطية أعلاه، كان عليّ (ضمن المنظومات) أن أتكلّم عن التقنيّة التي ترافقت مع تطور الفكرة، ومن ضمنها القوّة الاقتصاديّة والعسكريّة، أقصد: من هو الذي يستطيع السيطرة على الأجزاء الأكثر قدماً؟ هو الجزء الأكثر حداثة.
إذاً لماذا نقع في الخطأ (أي خطأ كان)؟
لسببين متلازمين:
1- الجزء الأكثر حداثة يعني إبداعاً أكثر وروحاً أكثر حيويّة و حريّة
2- الجزء الأقدم، الضربة عليه ستكون قاضية بالنسبة للكائن الذي يحمله (يشبه الاجتثاث من الجذور).
إذاً: لا يوجد مثقف أعزل، يوجد جاهل أعزل. كيف هذا؟
خدعة الساحر
من المقولات المعروفة أن لاعب الخفّة كي يقوم بخدعته يلفت الانتباه إلى شيء ما بعيد عن جوهر الخدعة، كي لا ينتبه أحدٌ إلى (آليتها المنطقيّة) الني حدثت وفقها.
السؤال السابق، سأجيب عنه من خلفه:
إنّ خدعة السحر التي انطلت على (الأعزل) هي أنّ المالك أطلق النار على قدميك، (الأجزاء الأقدم) كي يلهيك عن النظر إلى “روح العالم” أي إلى القوة التي منحته البندقيّة أصلاً، فبادرته بإطلاق النار عليه، كي تحمي قدميك – حينها، أيّاً كان المنتصر، لا أهميّة لذلك على الإطلاق لأن الجميع كان يتنافس أو يحمي، أو يحطّم (أي يعمل) في مستوى الجزء الأقدم.
(بغضِّ النّظرِ عن الاستحالة أو اللاأخلاقيّة الواقعيّة)،
سأقدّم حجة: لم يكن النظام الحاكم يستطيع أبداً أن ينفذ بمجزرة علنيّة حتى الآن، أو أن يحقّق عدداً كبيراً من القتلى، كالقصف بالطائرات منذ البداية، لأن فعلاً كهذا يعني أنّه ينسف بنفسه خطابه المتقدّم “روح العالم” عن الديمقراطية.
إنّ مهمة النظام الحاكم منذ اللحظة الأولى للمظاهرات المنادية (بتعدديّة فعليّة وحريّة فعلية بلغة المظاهرة بدايةً) لم تكن الحفاظ على بقائه هو، لأنّه كان قد انتهى بحكم أنّ المظاهرة قدّمت خطاباً أكثر حداثة من خطابه، كانت مهمّته هي تحطيم المظاهرة، وهذا مافعله بواسطة خدعة الساحر.
انجرفت (المظاهرة) حينها في الجزء الأقدم، وتساوت مع النظام تماماً.
ماذا كان يجب أن يحدث؟ لا يمكن لأحدٍ أن يجيب إلّا: ماحدث.
أو يمكننا الإجابة: مايجب أن يحدث، الآن ولاحقاً، كي لا يحدث ماحدث ثانية
ماهو؟
أن نبني “روح العالم” أو بالأحرى أن “ننافس” على بناء أكثر نقاوةً من أيّ بناء آخر ل “روح العالم”. أي أن نخلق الأجزاء الأكثر حداثةً، التي ربما ليست موجودة بعد، بهذا فقط نعرف أنّه لا مثقّف أعزل و إنّنا كنّا جميعاً غارقين في الجهل ولم نزل. وبهذا فقط نعرف أنّ بناء الأجزاء الأكثر حداثةً أكثر صعوبةً بكثير جدّاً من الدفاع عن الأجزاء قدماً (وقد تكون هي الجسد الحيّ) لا تتم إلّا بواسطة الجزء الأكثر حداثة (مثلاً، البندقيّة بدل السيف) رغم أنّ كليهما يستهدف الجزء ذاته (الحياة البيولوجيّة) هذا مايجب أن نفهمه تماماً:
لا تكن فأر التجربة من المجرّب.
لا تكون عدوّ النظام أو المعارضة فطر في بناء العالم.
قد يبدو هذا غير مقنع، ولكن كما قلت في البداية، هناك فجوات كثيرة في نظريات النظم والتعقيد، ولكن أليس هذا ما يحدث؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث