ناصر علي – دمشق
من سوء حظ السوريين أن العالم كلّه انقلب على ثورتهم، وتاجر بها، وسامها سياط ديماغوجيته وانتهازيته، ووقف يتفرج على ذبحهم طوال ثلاث سنوات لم يوفّر فيها النظام أية وسيلة لقتلهم، واستخدم فيها كلَّ سيوفه الإيرانية والروسية، وتناوب الأغراب من جلدته النجسة على التنكيل بالأطفال والنساء وذبحهم بسكاكين الانتقام والثأر التاريخي.
ولم يكن العرب الأشقاء بأفضل حالاً من سواهم في مداواة جراح السوريين المثخنة بل على العكس تاجروا بمأساتهم، وبعض الجيران جعلوا منها استثماراً رخيصاً، فموت وجوع السوري صار يدر على اللبناني والأردني أموال الإغاثة ولجان حقوق الإنسان والمساعدات الدولية، وعلى الأرض رموا بالسوري في صحرائهم أو في أرخص بيوتهم، وعبثوا بشرف السوريات على أنهن فرائس رخيصة الثمن، بينما العربان في الخليج تقاسموا الوجع، وجعلوه سلعة في صراعاتهم الحمقاء مع إيران تارة، وفيما بينهم تارة أخرى.
إن ما يجعل الروح تغشى من الصدمة هو هذا النأي المخزي الذي مارسه المثقفون السوريون وخصوصاً ممن انضووا تحت كنف منظمات الثقافة الرسمية، من اتحاد الكتاب العرب الذي يديره الرخيص حسين جمعة وصولاً إلى نقابة الفنانين، ونقيبها السابق دريد لحام الذين يهتف للنظام مع ثلة الشبيحة من أمثال سلاف فواخرجي والطائفي بشار إسماعيل وسواهم ممن تحالفوا مع النظام، وخرجوا من عباءة الشعب.
ومنذ أيام خرج (فنان الشعب) المدعو رفيق سبيعي ليجاهر بمناصرة الظالم على الشعب، ويوزّع شهادات الإرهاب والعمالة على الثوار، ويبرر للنظام جرائمه بحق البسطاء الذين اعتقدوا طويلاً أن من حمل لقب الفن الأصيل باسمهم سيكون أول من يرمي النظام بحجرهم.
ابن الشعب القبضاي والرجل الذي يقف مع البسطاء في (صح النوم)، ومطرب أبناء الشام القديمة الذي غنى (يا ولد لفلك شال وتعلم شغل الرجال)، كان أبعد ما يكون عن فنه، والفنان الضال الذي خرج من بين الشعب ليصير في لحظة الموقف الحاسم عدواً له، ويعود إلى نشأته الأولى ذلك الفتى الماجن الفاسق المشخصاتي الخارج من دينه ومن جلده.
ولكنّ السُّوريّ الذي صدمته مواقف النخبة يستمر في الحرب والغناء بقامات جديدة ليست من ملة السبيعي والنوري واسماعيل، قامات خرجت مع الناس في الشوارع، وهتفت مثلما يهتف البسطاء (سوريا بدها حرية)، وهنا البدابات التي صرخ فيها من بين الناس (محمد آل رشي)، وسار فيها من جامع الحسن فنان عملاق كخالد تاجا قالوا كلمتهم بصوت مرتفع، ولم ترهبهم سطوة المال والقوة، وخشية فقدان الضوء الذي لا تخلده سوى الشعوب.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث