عبد القادر عبد اللي
مازالت الأزمة السياسية التركية تتفاعل على الرغم من هدوء حدتها قليلاً. وإذا كان الجميع يتحدث عن أزمة بين أرضوغان وأهم داعميه في الوسط الديني وهو الشيخ فتح الله غولان، فإن قضية الفساد الأساسية التي اعتبرت الضربة الموجهة للحكومة والرد القوي (يعتبره البعض ضربة قاضية) الذي فجر هذه الأزمة بقيت سراً غائباً لا يتم البحث فيه كثيراً، أو يبحث على استحياء.
ما الجريمة المقترفة التي يُراد لأرضوغان فقط أن يدفع فاتورتها؟ هل هي الفساد؟ نعم. إنه الفساد بحسب ما يصفه معارضو أرضوغان، والمؤامرة بحسب أرضوغان وأنصاره. وتقول التقارير بأن هذا (الفساد/ المؤامرة) مستمر منذ سنين، وعلى علم الجميع، ولكن أحداً لم يأتِ على ذكره؟ لماذا؟ لأن أحداً لا يعتقد بأن الحصول على أموال دولة أجنبية، وخاصة إلى كانت أموال دولة ممانعة يمكن أن يُسبب مشكلة، فالعالم معتاد على أموال الممانعين، وقد كسب كثيرون أموال الممانع السابق صدام حسين، وما المانع اليوم من كسب أموال الممانع آية الله العظمى علي خامنئي؟
ما سميّ فساد هو خرق الحصار المفروض على إيران عن طريق رجال أعمال أتراك، وبيع البترول الإيراني، واستخدام ثمنه بتمويل صفقات وتصدير بضائع محظورة لإيران عن طريق تبييض ثمن (أو أرباح) هذه البضائع. نعم هذا هو باختصار ما جرى. هل هذا مشروع؟ رئيس الحكومة التركي يراه مشروعاً. فالأمر مجرد تجارة، وحقق ربحاً لرجال أعمال أتراك يستثمرون في بلدهم. الإسلاميون والبعثيون السوريون الإيديولوجيون البسطاء لا يستطيعون تقبّل هذا الأمر. المعارضون السوريون الأرضوغانيون يعتبرون هذا غير ممكن، وهي كذبة كبرى. كيف يدعم أرضوغان ثوار سوريا، وأفراد حكومته يقبضون من الذين يحاربون الثوار السوريين؟ والبعثيون السُّذَّج أيضاً لا يصدقون، ويعتبرونه مستحيلاً: “كيف يدعم أرضوغان الإرهابيين المكلفين من الإمبريالية العالمية بضرب الممانعة، ويخرق الحصار الذي تفرضه الإمبريالية على إيران صاحبة الامتياز الحصري لماركة الممانعة؟”
يبرز إلى الواجهة من بين رجال الأعمال الذين أداروا هذا العمل رظا ظرّاب (رضا ضرَاب) الذي صدر قرار قضائي بتوقيفه. من هو رضا ضراب؟ شاب أذري القومية وقد ولد في العاصمة الأذربيجانية باكو عام 1984، إيراني التبعية، جاء إلى تركيا، وحصل على الجنسية التركية واشتهر من خلال مجلات المنوعات وظهوره مع نجمات الغناء أكثر من شهرته في مجال الأعمال، وهو متزوج واحدة من نجمات الغناء في تركيا حالياً. ولابد من التذكير بأن علي خامنئي أيضاً أذري القومية إيراني التبعية… وهناك تسريبات صحفية بأن شريكه هو رجل الأعمال الإيراني بابك زنجاني الذي تُقدر ثروته بـ 13.5 مليار دولار، وأدرج أخيراً اسمه على قائمة وزارة الخزانة الأمريكية والقائمة الأوربية المعاقبين لدعمهم النظام الإيراني. طبعاً لعب زنجاني دوراً مهماً بالالتفاف على حظر تصدير البترول الإيراني، ويعتبر من أكبر مصادر تأمين القطع الأجنبي لما يسمى في إيران “الثورة الإسلامية”.. ونشاط زنجاني خارج إيران يتم عبر ثلاثة مراكز هي تركيا إمارة دبي وماليزيا، وبحسب ادعائه فهو يؤمن أكبر مورد للخزينة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني من القطع الأجنبي. (وكالة ISNA للأنباء 2010).
إذا كان زنجاني المعلم الحقيقي لعمليات الالتفاف على العقوبات الأمريكية والأوربية يعترف سنة 2010 بأنه يدير هذه العمليات عبر أربع وستين شركة أسَّسها في حول العالم ومراكزها في تركيا ودبي وماليزيا، لماذا لم يفتح الموضوع يومئذ؟ أو هل فُتح التحقيق يومئذ، ووضع في الخزانة إلى موعد لزومه؟
ثمة عبارة غريبة تأتي على ألسنة قادة حزب العدالة والتنمية وهي “المؤامرة الخارجية” ويربطونها بشكل مباشر بأحداث تقسيم (غزي)، ويقولون: بعد أن فشل المتآمرون في احتجاجات غازي طرقوا هذا الباب، ويقولون هناك تحقيقات تتم في الموضوع. وهل القوة الخارجية التي تقف وراء أحداث تقسيم مجهولة؟ كانت اللافتات كلها تحمل توقيعاً صريحاً واحداً: “اتحاد الجمعيات العلوية”، وهذا العنوان الفرعي يقود بشكل مباشر دون لف أو دوران إلى “قم”… فإلى متى هذا التحقيق؟
نعم، هناك قوة خارجية تقف وراء هذه القضية، ولكن هل يمكن أن تكون إيران؟ إيران وقفت وراء أحداث تقسيم، ومولتها، ولم تفعل هذا سراً، فقد أبرزت عنوانها من خلال توقيع لافتات المحتجين في تقسيم، وهتافاتهم: “لا نريد تسمية الجسر باسم قاتل العلويين/ يشيرون إلى السلطان سليم الأول الذي كسر الشاه إسماعيل الصفوي”، وصورة عملاقة للخليفة علي بن أبي طالب (رض) عُلقت على واجهة مركز أتاتورك الثقافي مذيلة بالتوقيع نفسه، ولكنها هل يمكن أن تكون هي وراء القضية التي أسماها المدعي العام في تركيا فساداً، وأسمتها الحكومة مؤامرة؟ ألم تكن هذه العمليات لمصلحتها، وهي المستفيدة من الأمر؟ هل فتح الأمريكان لهم باباً آخر، ولم يعودوا بحاجة حكومة العدالة والتنمية من أجل خرق العقوبات، لذلك أحرقوا ورقتهم هذه؟
ما علاقة فتح الله غولان من كل هذا؟
يبدو أن أحداً لم يكن يستطيع فتح هذا الملف دون موافقة الشيخ فتح الله غولان صاحب النفوذ الأقوى في البيروقراطية التركية. وعندما بدأت مصالح الشيخ غولان تتضرر بعد شعور حزب العدالة والتنمية بالقوة، أراد أن يخز رئيس الحكومة بقوة لكي يجعله يعي لما هو فيه.
بالنتيجة تبيّن بأن الحكومة التركية –أي حكومة العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أرضوغان- كانت تُسهّل تدفق مليارات الدولارات إلى خزينة الممانعة الأساسية. ومن أحاديث بابك زنجاني نعرف بأن دبي وماليزيا أيضاً لهما دور لا يقل عن الدور التركي في دعم ممانعة قم. فهل يدفع أرضوغان اليوم ثمن محاباته للمانعة؟ عفواً، الممانعة سابقاً؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث