ألغيت الضربة العسكرية، التي نوت الولايات المتحدة توجيهها للنظام،
وذلك بعد قبوله التنازل عن كامل السلاح الاستراتيجي- الكيماوي، ولقي الأسد الثناء
والرضى من المجتمع الدولي. النظام وحلفاؤه تنفسوا الصعداء بعد اتضاح عدم نية الغرب
ضرب النظام عسكرياً، بل العودة إلى التغاضي عن جرائمه، واستمرار الاعتراف الدولي
به، وإقرار مشاركته في جنيف2. مرحلة جديدة من الصراع العنيف، قرر النظام وحلفاؤه الخوض
فيها بكل قواتهم البشرية والخبراتية، حيث يقاتل على كامل الساحات السورية مقاتلون
إيرانيون ولبنانيون وعراقيون، وكذلك روس، إلى جانب ما تبقى من جيش النظام المتآكل.
والواضح أن النظام بات في حالة من الضعف لدرجة المجاهرة بالتدخل العلني على الأرض
من حزب الله، وكتائب أبي الفضل العباس الطائفية، بل والسيطرة أيضاً على القرارات
والخطط.
قوة الدفع هذه مكنت النظام، بقيادة حلفائه، من التقدم في الفترة
الأخيرة، معتمدين سياسة ذكية من حيث إدراك مناطق ضعف الكتائب المقاتلة واختراقها
أو محاولة إخضاعها؛ حيث يجري الحديث عن شراء مناطق في الغوطة، وعقد هدنة مع أخرى
مقابل تخفيف الحصار والتجويع والقصف، وابتزاز للكتائب لوقف عملياتها مقابل السماح
بدخول بعض المساعدات، وأخذ مناطق رهينة لردع هجمات الجيش الحر (كالوعر بحمص)، أو
اقتحام مناطق فيها كتائب ضعيفة ورديئة، واستعادتها (كالسبينة…)؛ فضلاً عن حالة
الفرقة والخصام التي تعيشها الكتائب الإسلامية، التي تحاول فرض حكمها القروسطي على
المناطق المحررة، حيث نشهد خصاماً لكتائب سلفية متشابهة في الإيديولوجيا، وبينها
وبين داعش، وبين النصرة وداعش، وبين الجميع والكتائب الكردية، وبين الجيش الحر
وداعش… كل ذلك مكّن النظام من استعادة مناطق ذات أهمية استراتيجية، كالذيابية
والنشابية في الغوطة الشرقية، والسفيرة في ريف حلب، وقارة في ريف دمشق، وقبلها كان
استعاد القصير وأنهك ريفه…
طول أمد الصراع، أنتج مشكلات كبيرة في مجمل العمل المسلح؛ حيث ازداد
تحكم المال السياسي بالكتائب من قبل دول وأطراف إقليمية، لأغراض سياسية بعيدة كل
البعد عن أهداف الثورة؛ فالسعودية، وكذلك قطر وتركيا عبر الإخوان المسلمين، تدعم
معظم الكتائب ذات التوجهات الإيديولوجية الإسلامية والأصولية، بحيث تمكنت تلك
الكتائب من ضم المقاتلين عبر تقديم السلاح والرواتب، وتوزيع المعونات. وازداد تدفق
المقاتلين الأجانب إلى داعش، التي تسعى لملء الفراغ في أماكن انسحاب النظام، لفرض
حكمها القروسطي كجزء من تنظيم القاعدة، ولإقامة دولة الخلافة. فيما المكون الأساسي
للعمل المسلح في الثورة، الجيش الحر، بات يعاني من قلة التسليح والدعم، وكثيراً ما
يضطر لخوض حروب جانبية، مع داعش خصوصاً، وربما تقلص وجوده في بعض المناطق كحلب
وريفها لصالح تواجد أكبر لكتائب إسلامية. تظهر بعض المظاهرات الأخيرة في بعض
المناطق المحررة رغبة لدى الشعب في عودة الجيش الحر، بما يمثله من توجه وطني عام
وغير مؤدلج، إلى مقدمة القتال، رغم ما يعانيه من تفكك، حيث بدأت الحاضنة الشعبية
للثورة تشتكي من حكم استبدادي جديد لبعض الكتائب، ومن انتهاكات داعش اللاإنسانية
واعتقالها للنشطاء، ومن التحكم المالي الخارجي بقيادات الكتائب، ومن التقاعس عن
القتال ونصرة المناطق التي تتعرض لهجوم النظام في أكثر من مكان.
يعاني تكوين الكتائب المقاتلة من عدم الفصل بينها، فليس الأساس
الإيديولوجي هو ما يحدد انضمام المقاتلين إليها بقدر قدرتها على تلبية حاجات لهم
ولأسرهم، ويحكم تلك العلاقة المتشابكة بين الكتائب العلاقات الأهلية والمناطقية
والمحلية؛ هذا ما يصعب إمكانية عزل الكتائب المتطرفة و تلك ذات التبعية الخارجية.
وبالتالي هذا التفكك والتعدد في الولاءات ومصادر الدعم في الكتائب المقاتلة يشكل
عامل ضعف استغله النظام وحلفاؤه في تصعيدهم الأخير، ما مكنهم من استعادة مناطق
هامة. لكن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلاً، فسرعان ما بدأ المقاتلون يفهمون
المشكلة، وبدؤوا يستجمعون قواهم ويعودون من جديد إلى ساحات القتال، ومن باب
العمليات النوعية ضد مراكز النظام، حيث تفجير مبنى إدارة المركبات في حرستا، وضرب
حواجز في زملكا، والعودة إلى مواجهة النظام في ريف حلب بعد توحيد لبعض الكتائب،
ومقاومة شرسة في القلمون، حيث لا تأكيداً حقيقياً لصحة المعلومات التي يقدمها
الإعلام عن تقدم النظام فيها.
ما سيقر في جنيف2 هو ما ستتفق عليه القوى الدولية، التي تسعى
كإمبرياليات إلى اقتسام مناطق النفوذ في العالم، حيث ستكون سورية بوابة للنفوذ
الروسي، وما يعنيه كنفوذ إمبريالي من حيث السيطرة على عائدات الاستثمارات للمشاريع
الحيوية وخاصة مشاريع إعادة الإعمار، كذلك لحماية أسطولها العسكري في المتوسط،
مستغلة التراجع الأمريكي نتيجة غرق أمريكا في مشكلاتها الاقتصادية، واهتمامها في
الحفاظ على نفوذها في منطقة الباسيفيك، ودرء خطر الصين الاقتصادي. ولكن بقاء جزء
من نظام الأسد، بل بقاء الأسد نفسه في الفترة الانتقالية، ضروري لتحقيق مصالح
روسيا؛ مما دفع النظام والروس وإيران إلى التصعيد الأخير والتدخل المباشر لكسب مناطق
جديدة، وبالتالي تقوية موقعه في جنيف مقابل المعارضة، الممثلة في الائتلاف، والذي
يبدو أنه سيجبر على المشاركة في جنيف2. السعودية تحاول التعطيل عبثاً عبر الضغط
على الائتلاف لعدم المشاركة، وعبر دعم الكتائب المتطرفة على الأرض. هنا بات من
المهم أن يدرك المقاتلون أنّ لما يجري على
الأرض دوراً مهماً فيما سيقرر في جنيف، وبالتالي عليهم توحيد صفوفهم والعمل بتنسيق
أعلى على مستوى كامل المناطق السورية، ومؤازرة المناطق التي يحاول النظام
استرجاعها، والأهم.. العودة إلى ما هو وطني شامل وكسب الحاضنة الشعبية من جديد،
وحماية النشاط المدني لها، والحذر الشديد من أية حروب طائفية أو قومية أو فئوية قد
تُفتَعل، وذلك استعداداً للمرحلة القادمة مهما تمخض عنها من اتفاقات؛ فللعمل
السياسي دور مهم حين يمارسه الشعب برمته عبر مجالس محلية منتخبة، حتى لا يُسمح
للنخب السياسية، من النظام أو المعارضة، والتي باتت تسيرها الدول العظمى، أن تبتلع
الثورة، وتتحاصص نهب البلاد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث