الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / “ثقافة” الفساد من السلطة إلى الثورة

“ثقافة” الفساد من السلطة إلى الثورة

رانيا مصطفى

الثقافة السائدة في أي مجتمع هي ثقافة الطبقة المسيطرة، والطبقة التي
حكمت سورية منذ السبعينات هي طبقة برجوازية متخلفة وتابعة، بسبب الطبيعة
الكولونيالية للبلدان المتخلَّفة، ونحن منها؛ هذه الطبقة الحاكمة لا تملك نظاماً إنتاجياً
مستقلاً، وهدفها استمرار مراكمة الثروات بشتى سبل النهب، ومنها الانفتاح الاقتصادي
المتزايد خلال سيطرتها، والذي تسارع خلال العقد الأخير، أي منذ استلم بشار الحكم؛
هذه التبعية الاقتصادية- السياسية افترضت أن يكون نظام الحكم شمولياً، يتحكم بكل
مفاصل الحياة في المجتمع، ويشكل غطاء للنهب والفساد والاستغلال، سواءً كان مقنعاً
بالقوانين والمراسيم التي تخدم المافيات التجارية المشاركة في الحكم، أو كان نهباً
عبر التحايل والرشاوى والتهرب الضريبي…

تعزز الفساد في دوائر النظام،
وبات جزءاً من ثقافة المجتمع السائدة، خصوصاً عند الفئات الريفية الوافدة إلى
المدن بسبب الفقر والحاجة، وعدم الإحساس بالأمان تجاه المستقبل، فضلاً عن الرغبة
الجامحة لتكوين الثروة وتعديل أوضاعهم، والتي نتجت عن عقد موروثة عن ذويهم الذين
تعرضوا لاضطهاد الإقطاع واستغلاله في أواسط القرن الماضي، تجلت تلك العقد كنوع من
الانتقام، ولكن عبر دوائر الدولة. وبموازاة ذلك مارست البرجوازية المدينية النهب
ذاته في الأسواق، عبر التوجه إلى قطاعات الربح السريع، بعيداً عن تلبية احتياجات
المجتمع، فجنت أرباحاً طائلة، وتهربت من تسديد الضرائب، وعقدت الصفقات مع المؤسسات
الأمنية ومسؤولي الدولة، وكانت شريكة في القرارات. وبذلك تشكلت طبقة اقتصادية جديدة
مع مطلع الألفية الجديدة، من تحالف المافيات التجارية المدينية القديمة مع
المافيات الريفية المستحدثة بفعل نهب مؤسسات القطاع العام، وكان لهذه الطبقة
الهجينة ارتباطاتها العضوية مع العائلة الحاكمة، فصارت تُسن القوانين والمراسيم
التي تخدم تراكم الثروات الفاحشة، وقد وجدت تلك الطبقة منذ العام 2005 في الانفتاح
الاقتصادي الكامل، وتطبيق “الإصلاحات” الليبرالية الجديدة سبيلاً لتحقيق
ذلك النهب.

اقتصاد النهب هذا، أي اقتصاد السوق الحر، وجه الضربة القاضية للقطاعات
التي كانت ما تزال منتجة رغم الفساد والبيروقراطية، فتعطلت الدولة عن الإنتاج في
شركات قطاعها العام، وتوجه القطاع الخاص نحو الاستثمار في المنشآت الخدمية غير
الانتاجية، كالفنادق والمطاعم، والمدارس والجامعات الخاصة والمصارف، ورُفع الدعم
عن المحروقات والأسمدة ما أدى إلى تراجع كبير في الزراعة، وتصاعدَ الفقر، وتفشت
البطالة.

ترافق كل ذلك مع انتشار الفساد
في كل دوائر الدولة، كالتعليم والجيش والثقافة والصحافة والنقابات والأحزاب
والوزارات، وسادت الروح الانتهازية والأنانية. وبذلك صار التحايل على القوانين
والمجتمع هو الوسيلة والمعين للمواطن كي يؤمن قوت أولاده، ويؤمن ما يحمي مستقبلهم
من العوز، على قدر ما يستطيع أو يتاح له، ويمكن القول أن منظومة الأخلاق الإيديولوجية
التي تحكم المجتمع تتغير، وتحاك باستمرار وفق مبدأ التقية، كاستجابة لتغير الشروط
المادية لحياة الأفراد والجماعات، فهي في ظاهرها تُدين السرقة والغش والفساد،
بينما في جوهرها سرعان ما تجد المبررات الموضوعية لذلك، لدرجة أن الوعظ الأخلاقي،
وكذلك الديني، بما يخص الفساد والغش، غدا نصاً محنطاً، يحفظ ويردد دون مغزى وتأثير.
وبالمثل باتت القوانين الناصة على محاربة الفساد صورية، طالما أن الفاسد لا يحاسب،
بل يكافأ، إذا ما أجاد التشبيك مع كبار المسؤولين ورجال الأمن!

وإلى جانب كل ذلك، ترسخت الأنانية بين أفراد الشعب، وتعززت المحسوبيات
التي كانت عامة، ولكنها كذلك تتم على أسس مناطقية أو طائفية، مما عمق الشروخ والحساسيات
الاجتماعية، وجعلها تطفو على السطح، خاصة بين المفقرين والمتضررين من السياسات الاقتصادية
المتبعة، وذلك لتطويع مؤسسات الدولة لتخدم النهب، ولسحق كل أشكال النقابات
والاتحادات والأحزاب، ولمنع أي احتجاج شعبي محتمل، بدءاً من المطلبي إلى السياسي، ومنعاً
لتشكل نواة لوعي طبقي قد تسمح بأي شكل من النضال أو الثورة ضد النظام. وحتى بعد
اندلاع الثورة، استغل النظام دوائر فساده، وحاول أن يقدم نفسه حامياً لتلك الحساسيات
الاجتماعية، فجند كثيراً من البسطاء في صفه، ضد مصالحهم، على أسس، إما طائفية، أو
مناطقية، أو عشائرية..

اندلعت الثورة الشعبية ضد النظام، بما يمثله من فساد ومحسوبيات ونهب
وظلم واضطهاد، وبدافع الرغبة في نيل الحقوق، والانتقال بسورية نحو دولة حديثة، لكن
رفض الشعب المباشر للنظام لا يعني خلاصه مرة واحدة من ثقافته المريضة التي انتهى إليها
المجتمع، فقد افتقدت الثورة إلى برنامج سياسي يبلور أهدافها ومطالبها، وعجزت
المعارضة والقوى السياسية عن صياغة هذه البرامج، واكتفت بشعارات عمومية عن إسقاط
النظام بكامل رموزه، بل وساهم جزء من تلك المعارضة بترسيخ الفساد، عبر شراء ولاءات
النشطاء في الداخل، وعبر ترسيخ كل أشكال التفرقة والطائفية والأنانية، والابتعاد
عن روح العمل الجماعي. بذلك انتشرت في كل فعاليات الثورة شتى أشكال الفساد، التي
كانت ولا تزال تمارس في ظل النظام، من انتهازية وسرقة ونهب واحتيال، والتي تعبر في
أحيان كثيرة عن عقلية انتقامية وثأرية. ولكن رغم اشتداد البؤس والجوع والقهر الذي
يمارسه النظام في حصاره للمناطق الثائرة، بل ورغم تردي الأوضاع المعيشية في عموم
البلاد، فقد ظل الفساد مرفوضاً ومداناً من كل الشعب السوري، وظل الخلاص منه حلما
لهذا الشعب، سواء ثار على النظام أو لم يثر، وسواء عارض النظام أو والاه.

إذن، ثقافة السلطة الفاسدة هذه، والتي خلقت شبيهتها لدى المعارضة، سمحت
لبعض القطاعات والأفراد بالاستفادة منها، في حين أبقت أغلبية الشعب مطرودة من جنة
النهب والفساد، هذا ما جعل السوريين يعيشون- إلى جانب الصراع الدموي بين النظام
والشعب- صراعاً مرافقاً بين ثقافتين، الأولى ثقافة الطبقة السائدة، ومعها
المعارضة، التي أوصلها الفساد حد اللهاث والتبعية لدول إمبريالية ومن يتبعها من
الدول النفطية والإقليمية، والثانية ثقافة الثورة الشعبية ضد الفساد والاستغلال.

لن تنتصر الثانية ما لم يأخذ الشعب دوره في تشكيل سلطته، عبر انتخاب
مجالس محلية فوراً بديمقراطية واسعة، والعمل على استعادة دور سياسي أكبر للنقابات
والمجالس والأحزاب، لتكون أدوات حشد وضغط على الحكم القادم
أياً يكن!

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *