رانيا مصطفى
ابتليت الثورة بمعارضة منفصلة عنها، حيث قاتلت النظام وناضلت ضده منذ
السبعينيات، من أجل المشاركة في الحكم، أو التفرد فيه بدلاً عنه، في وقت كان الشعب
ليس في حالة ثورة، حيث كان الوضع المعيشي لأبناء الأغلبية الريفية في تحسن، نتيجة بعض
الإصلاحات التي رافقت استلام البعث للسلطة، حيث أُمِّمت شركات خاصة، وبُنِيت مصانع،
ودُعِمت الزراعة، الأمر الذي خلق فرص عمل جديدة وقتها، ومكّن الريفيين من السكن في
المدن، وطُبِقت مجانية التعليم والرعاية الصحية؛ استفاد النظام من إصلاحات البعث في
ترسيخ حكمه الاستبدادي، حيث حصل على دعم الطبقة البرجوازية المدينية، المستفيدة من
انفتاح اقتصادي محدود، والشريكة له في الحكم والنهب، وعلى دعم من الجيش ومن
الأجهزة المخابراتية المكونة من أبناء الريف أيضاً، خاصة بعد ترسيخها على أسس
طائفية إبان حرب الإخوان المسلمين في الثمانينات، والتي كانت طائفية أيضاً. نهش الفساد،
وسرقة المال العام، والمحسوبيات جسد القطاع العام، فتشكلت طبقة برجوازية جديدة من
المسؤولين وأقربائهم بفعل النهب.
هذا ما اقتضى من جملة رجال الأعمال القدامى والجدد، ومن أجل استمرار مراكمة
الثروات، الضغط على الحكومة لفرض مزيد من الانفتاح الاقتصادي، مستفيدين من فرصة انتقال
الحكم إلى بشار الأسد، بعد موت والده، بحجة إحداث إصلاحات، أسماها
“الدردي”، النائب الاقتصادي في الحكومة آنذاك، باقتصاد السوق الاجتماعي
تجميلاً ودعاية لها. تسارعت الخطوات الحكومية باتجاه الليبرالية الجديدة، حيث اتجه
الاقتصاد السوري إلى الاستثمارات الخاصة في القطاعات الخدمية، الأمر الذي كانت
نتائجه كارثية على الشعب، فارتفعت معدلات الفقر والبطالة، وبدأ بالتدريج سلب الشعب
بعض مكاسبه، مثل مجانية التعليم والرعاية الصحية، وضربت الصناعة مع فتح الأسواق
أمام المنتجات الأجنبية، وضربت الزراعة مع رفع الدعم عن المحروقات والأسمدة، وفرضت
الضرائب على المواطن لسد عجز الموازنة العامة، كل ذلك مقابل ظهور طبقة ضيقة من
رجال الأعمال تتسم بالثراء الفاحش، يتصدرها قرابة الرئيس خصوصاً.
هذا ما سبب حالة من الضيق وانسداد الأفق لدى شريحة الشباب خصوصاً،
فخرجت ثورة شعبية، بوحي من الثورات العربية التي سبقتها، وتجذرت خصوصاً في المناطق
الأكثر فقراً ومعاناة، الأرياف والأحياء الفقيرة في المدن. هذه هي أسباب الثورة
فأين المعارضة منها؟
المعارضة لا ترى الثورة وأسبابها، فهي تفاجأت بها؛ هي تريد نظاماً
بديلاً يسمح لها بالوصول إلى الحكم، وفقط! دون أي التفات لمطالب الشعب وتضحياته،
وبالتالي دون انخراط فعلي بالثورة، ودون نقدها وتصويب أخطائها، بل العكس هو ما
حصل، حيث ساد جو من المزاودة، والتغاضي عن الأخطاء التي استفحلت كثيراً فيما بعد.
فوَصْفُ النظام بالمستبد والديكتاتوري لا يكفي، فلا استبداد من أجل الاستبداد، بل
خدمة للنهب ومراكمة الثروات؛ هنا تتفرع أطيافٌ من المعارضة في هيئة للتنسيق ترفع
شعارات هي أقرب للهراء عن إسقاط النظام بنضال سلمي، وباللهاث وراء تدخل إمبريالي
روسي للضغط على النظام “الأمني الاستبدادي” ليقبل شراكة في الحكم، وهي
هنا تجرم الثورة كلها بسبب عسكرتها، دون أن تنخرط بها وتصوبها، وهي هنا تسعى
لترسيخ النمط الاقتصادي القائم على النهب كما هو، ولكن لصالح روسيا. أطياف أخرى من
المعارضة جمعت نفسها في مجلس وطني ثم في ائتلاف، وطني أيضاً! تدعم النهج الليبرالي
الجديد صراحة، عبر تبني عدة مؤتمرات لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري، بفرض انفتاح
اقتصادي كامل، أي الإبقاء على النمط الاقتصادي الذي يتبعه النظام، مع تغيير
المستفيدين من الساسة ورجال الأعمال، الذين يتصدرهم الإسلاميون، وبتبعية كاملة
للغرب الإمبريالي، حيث لم يتوقفوا عن طلب تدخله العسكري واللوجستي والسياسي
والمالي، أو بأي شكل كان، حتى بعد الاتفاق الروسي الأمريكي على عقد جنيف2، حيث ستترك
سورية للمصالح والنفوذ الروسي، ورغم استمرار اعتراف المجتمع الدولي بالنظام، بل
وشكره على الاستجابة بالتخلي عن سلاحه الكيماوي. ولا ننسى لفيفاً واسعاً من
المثقفين السوريين الذين شاركوا فعاليات الثورة، لكنهم تعاطوا معها “بشعبوية”
بعيدة عن النقد والتحليل، وعملوا بفردية، وبرغبة في النجومية، وسيطرت عليهم حساسية
عالية تجاه أي عمل جماعي سياسي، نتيجة عقد مترسخة لديهم من العمل الحزبي خصوصاً،
وبالتالي لم يعملوا على صياغة برامج للثورة.
إذاً، عجزت النخب السياسية عن مواكبة الثورة، وصياغة برامج لها؛ هذا
ترتب عليه، ونحن في العام الثالث للثورة، الكثير الكثير من الإرباكات؛ فبعض قطاعات
الثورة سمحت بظهور متطرفين، منهم من يقاتل النظام، ومنهم من لا يفعل، وهم يريدون
فرض استبداد ديني، مستغلين تدين الشعب، ما دفع الجيش الحر للاقتتال معهم في مناطق
عدة، قبل إنهاء معركته الرئيسية مع النظام. وكذلك المشاكل الناجمة عن الأموال المتدفقة
إلى الداخل لشراء الولاءات ضمن الثورة، وبعيداً عن أهدافها. هذا فضلاً عن مشكلة
تراجع النشاط المدني في مناطق عديدة، سواء كانت محررة أو واقعة تحت حكم النظام،
وذلك بسبب عنف النظام اللامحدود، والتضييق الأمني الكبير، والاعتقالات المستمرة،
والقتل تحت التعذيب، الأمر الذي سبب الاستسلام لواقع أن ما تبقى من الثورة هي حرب
أهلية لا نهاية لها؛ ومن الصعب إخراج الشعب من حالة الاستسلام تلك دون بلورة برامج
واضحة له، تتضمن آلية حشده وعودته ليشكل الحاضنة الشعبية للثورة.
لن تتوقف الثورة ما لم تنتهِ الأسباب التي أدت إلى اندلاعها، لكن
إطالة أمد الصراع مع غياب البرامج سيفتح على المزيد من التعقيدات، حتى بعد أي
تغيير مرتقب في السلطة. المعارضة، ذات التوجهات الليبرالية، سواء والت روسيا أو
الغرب، لا تملك حلولاً فعلية، فكلها تكتفي بتحقيق ديمقراطية ضعيفة مع بعض الحريات،
وتريد ترسيخ النمط الاقتصادي القائم، الذي يزيد من الإفقار والتفاوت الطبقي. من
الصعب الدخول بمرحلة استقرار دون وضع برامج تقوم على مواجهة كل ذلك؛ أولها تمكين
الشعب من المشاركة في الحكم، عبر انتخاب ممثليه في النقابات المهنية والعمالية،
وفي المجالس المحلية، لتحقيق ديمقراطية أوسع، ووضع برامج اقتصادية لحل مشكلة
البطالة، وإقرار قوانين الرعاية الاجتماعية وفرض ضرائب تصاعدية على الأموال، وهذا
يحتاج إلى نمط اقتصادي مختلف، لا يرتهن لتقلبات الأسواق العالمية، ويؤسس صناعات
وطنية، ويضبط ميل القطاع الخاص للربح السريع، ويدعم الزراعة ومستلزماتها، ويدعم
البحث العلمي، ويؤمن مجانية التعليم وإتاحته للجميع. كل ذلك مرهون بظهور نخب
سياسية بديلة من رحم الثورة، تحشد طاقات الشعب في تنظيمات
محلية ونقابية…، فأين الثورة من ذلك؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث