الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / تعقيدات الحل السياسي وأفق الحل

تعقيدات الحل السياسي وأفق الحل

عمّار الأحمد

منذ قرابة عام، لم يحصل أي تغير جدي بين طرفي الصراع في
سورية، فلا قوى الثورة استطاعت أخذ مناطق إضافية تذكر، ولا النظام استعاد مناطق
كذلك، وبقي التقدم والتراجع سيد الموقف. جاءت مقتلة الكيماوي، لتحدث تغييراً جديداً،
تمثل بتهديد أمريكي مباشر بضربة عسكرية، وفعلاً شحنت الأجواء الدولية نحوها، ولكن
النظام وبتخطيط روسي، تفادى ذلك عبر البدء بعملية تسليم وتفكيك الكيماوي مقابل
إيقاف الضربة، وهو فعلاً ما حدث. وتمّ التوافق لاحقاً على موعد جديد لعقد جنيف ضمن
سياق حل “المسألة السورية” ولكن غنيمة الكيماوي أسكرت نيويورك وتل أبيب،
لتهدئ الإدارة الأمريكية بعدها من روع النظام بما يخص الضربة، وصولاً إلى شكر “كيري”
النظام السوري على سرعة استجابته، وتقديمه لكل التسهيلات الممكنة لمفتشي الأمم
المتحدة.

أمريكا اكتفت في الوقت الحالي بالكيماوي، ولكن الروس
لديهم مشروعهم المختلف والمتعلق بجنيف، ويتضمن إبقاء الأسد وسلطاته الأمنية
والعسكرية والمالية بالتحديد كاملة، وبالتالي اتفاق جنيف لن يغير من سلطات الأسد
المركزية، ولكن يمكن أن يتضمن تفاوضاً على بقية صلاحيات الحكومة التوافقية..! بشكر
أمريكا للنظام، دخل الوضع السوري بإرباك جديد يقول أن الكيماوي أهم من جنيف، ولا
يمكن التشويش على هذا الكيماوي أبداً، وبالتالي جنيف الآن لعبة بيد النظام وروسيا،
وهو ما أدخل المعارضة بإرباكات كبيرة، ودفعها للتفتت وقد ظهرت فيها صراعات جانبية،
حتى ضمن الائتلاف الوطني نفسه. أي أن أمريكا تخلت عن الائتلاف في هذه المرحلة،
بينما الروس لم يغيروا موقفهم أبداً، ويصرون على ضرورة أن تجبر أمريكا المعارضة
على جنيف. طبعاً لا يستطيع جزء من المعارضة رفض الضغط الأمريكي، ولكن أطرافاً أخرى
متضررة أصلاً من تشكيل الائتلاف ومن جنيف لن تقبل به، كالإخوان المسلمين وإعلان
دمشق، ومعهم القوى الجهادية. وذلك لأن أي اتفاق يعقد، سيجبر هذه الأطراف على
الخضوع له، أو قد يضعها في حرب معه.

منذ أسبوعين، كانت كل التحركات الدولية لجهة عقد جنيف،
ولكن ورغم وجود موعد مسبق لعقده بتاريخ الرابع عشر من هذا الشهر ووفق موعد من مجلس
الأمن الدولي، فإن مجريات الأسبوع الأخير، تشير إلى تأجيله. وبغياب معلومات دقيقة
حول التوافقات بين الأمريكان والروس المخفية والحقيقية، فإن الخشية تتكرس من تأجيل
كل هذه القضايا، إلى ما بعد التخلص من الكيماوي، وبالتالي حتى نهاية فترة الكارثة
الأسد بالحكم، وإخراجه من الحكم بطريقة دستورية. في مقابل ذلك، سيتم استمرار الضغط
على المعارضة، وقد يحقق النظام بعض النجاحات في بعض الأماكن، سيما وأن المجموعات
الجهادية ستطور من نشاطاتها، وتحارب الجيش الحر، وسيبقى الدعم يصل إليها، وستكون
حصيلة هذه التطورات استنقاع مناطق الثورة أكثر فأكثر، بمختلف أشكال المشكلات،
إضافة لتطور الجهادية فيها، وهو ما سيجبر المعارضة التابعة لأمريكا وربما الأهالي
على القبول بأية تسوية، وسنكون حينها على موعد جديد، يبدأ بحل الحكومة الرسمية الآن
وانتهاء فترة رئاسة بشار الأسد!

ربما يكون هذا أسوأ سيناريو يمكن أن يعيشه السوريون،
وربما يكون الوحيد الممكن وفق التوافق الأميركي الروسي.. ما يشجع ذلك، رداءة أداء
المعارضة، وتفتتها الكامل، سواء القوى التي في إطار خط الائتلاف الوطني، أو التي
في خط هيئة التنسيق، وهو ما سيسمح للدول الخارجية باللّعب المستمر بالثورة وكذلك
للنظام، وتترك الأرض خصبة لحراثة التنظيمات الجهادية.. الشعب سيعاني الويلات أكثر
مما يعاني حتى الآن، وسيكون أمامه شتاءٌ كارثيٌ، بل وضعٌ كارثيٌ على كافة
المستويات.

هل لدى المعارضة أو النظام حلٌ بديل لما حللناه أعلاه؟
أظن: لا. فما فعلته تلك الأطراف طيلة عامين ونصف يذهب بذلك الاتجاه. الممكن الوحيد
بالنسبة للشعب، وكي لا يتلقى نتائج الصراع كما يجري، أن يحدد شروطه بعيداً عنها،
وبما يحقق أهداف ثورته كذلك، أي العودة إلى ممارسة مختلف أشكال التظاهر والاحتجاج،
وتنظيم حياته في المناطق المحررة، ومحاولة انتخاب مجالسه المحلية ومجالس المدن،
والبحث عن حلول لمختلف المشكلات، بدءاً من الوضع الحياتي اليومي إلى بقية القضايا،
طالما ليس من حل في الأفق؛ وبالتالي استمرار القتال، لا يمنع استمرار الحياة،
ويفترض خطوات جديدة من أجل تنظيم تلك الحياة، وبقدوم الشتاء، يصبح ذلك ضرورة
كبيرة.

الفكرة الأخيرة، ربما لا تجد لها أذاناً صاغية، ولكنها
الوحيدة الضرورية لتحصيل أوضاع أفضل للشعب، سيما وأن الأطراف المتحاربة أصبحت
متموضعة في صراعها، والضغط الذي يمارس عليها، لن يغير من واقعها كثيراً، وحتى النظام
لن يستطيع كسب أراضٍ جديدة واسعة، بل فقط بعض الأماكن، وقد تتقدم الثورة بأماكن
أخرى كذلك.

إذن.. تعقيدات
الحل، تمنع حدوثه، ويضاف لذلك بروز خطر جديد، يتمثل في كتل الكتائب التي تعلن
بوضوح شديد رؤيتها للثورة ولمستقبل سورية، حيث تحدده في إطار الرؤية الإسلامية،
ويدعم ذلك دول الخليج، وبالطبع تركيا. وبتأجيل جنيف، سنكون أمام مرحلة، قد نشهد
خلالها اقتتالاً أهلياً واسعاً بين كتائب الجيش الحر والقوى الجهادية، وربما بين
كتائب الجيش الحر نفسه، حيث سيلعب الإخوان دوراً مركزياً فيها، سيما وأنهم يعون أن
الواقع وفي إطار عملية سياسية، لن يخدم وصولهم للسلطة، كما أن تدهور موقع أقرانهم
في مصر وتونس قد يدفعهم لمغامرات إضافية، وتنسيق مع كتائب متطرفة، سعياً وراء
خربطة أوراق الائتلاف الوطني، وإسناد مهمات جديدة لهم في إطاره أو في إطار تشكيل
سياسي جديد للمعارضة.

انقسامات المكون العسكري، وبروز تشكيلات عسكرية جديدة، يُخشى
أن تطالب بدور سياسي مواز لها، وهو ما سيعقد مشهد المعارضة، وستكون الحصيلة المزيد
من الدمار والدمار والاعتقالات والكوارث الاجتماعية داخل سورية وخارجها؛ لن يتغير
كثيراً الوضع الكردي عما آل إليه في الأشهر الأخيرة، من استقلال هش، واقتتال مع
قوى جهادية أو من الجيش الحر.

فهل من إمكانية مغايرة تذلل تلك التعقيدات في الأسابيع
الأخيرة، نقول لا.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *