الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / قراءة نقدية في تجربة الثورة السورية

قراءة نقدية في تجربة الثورة السورية

صبر درويش

لن تتقدم ثورة
السوريين خطوة إلى الأمام، ما لم نتحلى بالشجاعة الكافية لرؤية أخطائنا، وطرح
الأسئلة الجديرة بتحفيز العقل النقدي على رؤية ما تحت السطح اليومي للحدث، والقبض
على التناقضات الأساسية التي تعد هي المحرك الأساسي للثورة.

تطرح الثورة
السورية العديد من الأسئلة اليوم: لماذا انزاحت الثورة عن شعاراتها الأولى التي
أكدت من خلالها على مطلب الحرية والكرامة ووحدة الشعب السوري، إلى مطالب تتمحور
حول مشاريع الإسلام السياسي ومفاهيمه حول الدولة وطبيعة المستقبل السياسي
للسوريين؟ لماذا فشل الثوار بابتكار سلطات بديلة يحسنون من خلالها إدارة مدنهم
المحررة؟ ولماذا تمكن المقاتلون الأجانب من اختراق صفوف الثوار في كثير من المناطق
السورية، والاستحواذ على سلطة القرار السياسي؟ ولماذا لم تتمكن المعارضة من اقناع
الرأي العام العالمي بعدالة قضيتهم؟

في الحقيقة
تتمحور كافة الأسئلة السابقة وغيرها الكثير، حول سؤال رئيسي: لماذا لم يتمكن
السوريون من اسقاط نظامهم السياسي حتى الآن، وذلك على الرغم من مرور عامين ونصف
على انطلاق ثورتهم؟ ويبدو د. نبيل مرزوق الباحث والمفكر الاقتصادي السوري مصيباً
بقوله: “
أعتقد أن البحث عن إجابات واضحة وجريئة، ضروري ولكنه يحتاج إلى عمل بحثي
تشاركي لمجموعة من المختصين في علم الاجتماع والسياسة”. وهو شيء غائب حتى الآن
في المعادلة السورية.

يقول د. مرزوق في معرض
نقاشه حول ضعف سيطرة الثوار على المدن المحررة: “
المشكلة في المناطق التي تسمى محررة،
أن تنظيم المجتمع المدني لم يتطور بدرجة كافية تسمح له في مواجهة نفوذ وسلطة
المسلحين، وما حدث في الرقة كان كاشفاً، فقد تراجع المجتمع المدني بسرعة أمام
مسلحي جبهة النصرة، والتي لم تكن أساسية في تحرير المدينة والمحافظة، كان بحاجة
إلى وعي أفضل وقدرة على تنظيم وحشد الناس لمواجهة نفوذ الإسلاميين المتشددين. أيضاً،
الجيش الحر بتنظيمه وضعف إدارته وقيادته لم يستطع الحفاظ على مكتسبات الثورة
والحفاظ على التوجهات الوطنية للثورة”.

لا أحد ينكر اليوم تدني مستوى الوعي
السياسي لدى المجتمع السوري، وذلك لأسباب لا حصر لها، ولكن من المؤكد أن الحكم
الديكتاتوري لنظام الأسد في مقدمتها، ولكن ذلك إلا يحمّل النخب السياسية مسؤولية
ضعف الجهود التي بذلت لتغيير هذه المعادلة؟ ألم يكن عامان ونيف من النشاط السياسي
كافيين كي يطرأ تعديل على الوعي السياسي الشعبي؟

يقول الباحث والكاتب د. حازم نهار:
لا يوجد قوى سياسية حقيقية اليوم، وهذا هو السبب
الرئيس لفشل كل التحالفات والائتلافات والمجالس والهيئات. فهي لم تمثِّل لقاء أو تجمعاً
بين قوى سياسية حقيقية، بل بين أفراد في الغالب الأعم؛ بعد الثورة، تشكلت العديد من
الأحزاب والتيارات والمجموعات السياسية بطريقة سريعة تدلِّل بوضوح على الخفَّة السياسية
والضحالة الفكرية وقصر النظر، حتى أصبحنا أمام ركام من الأحزاب والتيارات التي لا نستطيع
حفظ أسمائها أو التمييز بينها، فكلها تتشابه في التشكّل والإعلان والبيان التأسيسي
وفولكلور الانشقاق، ومن ثم الانحلال”.

من جهة أخرى
يثير تسلل الإسلام السياسي إلى صفوف الثورة وحتى إلى شعاراتها، تساؤلات عدة،
فالمجتمع السوري لم ينتج عبر تاريخه تياراً اسلامياً متطرفاً، حيث عرف عن الاسلام
السياسي السوري تاريخياً الاعتدال الأقرب إلى الليبرالية، فكيف حدث وتمكن من
التغلغل في صفوف الثوار، وقدم هذه النسخة المتطرفة؟

يقول الكاتب
والنحات السوري عاصم الباشا: “
منذ بداية الحراك الذي تحوّل إلى ما نحن فيه، كان
عندي حدس قويّ من أنّ أحداً لن يساعدنا على الخلاص من النظام، لأنه يخدم الجهات الأربع.
كان من السخف الظنّ من أن أنظمة استبدادية كالسعودية وقطر ستدعم المطالبة بالحرية،
و”أسلمة ” الثورة صنيعة النظام (وقد خبر الأمر في العراق ولبنان) وقد
حدث ذلك في الدولتين المذكورتين بمباركة أمريكية بدليل التسهيل التركي. لن تستقيم الثورة
دون الخلاص من هذا السرطان المتأسلم والمتحالف ضمناً، وأحيانًا علناً، مع النظام لإجهاض
الثورة.

وفي هذا السياق يأتي تحالف التشكيلات
العسكرية الأكثر تطرفاً في سوريا (جبهة النصرة، ولواء الإسلام، وأحرار الشام الإسلامي
وغيرهم)، في جبهة واحدة وإعلانهم عدم الاعتراف بالائتلاف الوطني السوري، وعدم
الاعتراف بالحكومة المؤقتة، ليشكل ضربة قاصمة لتحرك المعارضة الحالي، ولآفاق الحل
السياسي المقبل. ومما يثير الدهشة هنا، أن لواء الاسلام على سبيل المثال، وهو واحد
من أقوى التشكيلات المقاتلة في محيط دمشق، من المعروف أنه منذ تَشكل وكان الشيخ
زهران علوش بقيادته، أن هذا الأخير كان يحصل على الدعم الأساسي لقواته من
السعودية، وأن هذا الدعم لم يتوقف يوماً، وفي الوقت الذي يبدو فيه أن لواء الاسلام
والائتلاف الوطني السوري يعتمدون السعودية كمرجع سياسي لهم، نجد هناك تناقض على
مستوى الاعتراف السياسي بين كلا الجانبين. فهل بات من الوارد أن يتناقض طرفان
لمصدر دعم واحد؟!.

في الحقيقة تشير هذه التطورات إلى أن
قرار السوريين لم يعد بيد القوى الثورية، أقصد السورية، وان القرار السياسي بات من
فترة لابأس بها يصنع ويتخذ خارج حدود السوريين، وأن الدمى التي يتم تحريكها داخل
سوريا –كما خارجها- لا تعدو كونها دمى، تأتمر بأمر الممولين والداعمين
“الخيريين”، وهو أخطر ما حدث للثورة السورية؛فالشعب الذي تمكن من الصمود لأشهر طويلة بشكل يثير الدهشة في وجه واحدة من أعتى
الآلات الحربية، معرض للانكسار اليوم على يد “الداعمين” وصبيانهم، من
ألوية تدعي القتال في سبيل الله وهم في حقيقة الأمر، يقاتلون في سبيل مصالح
أربابهم، وعلى يد معارضة هزيلة، تحتاج لأشهر من السجالات كي تتمكن من تعيين رئيس
لها. وبين هذا وذاك يضمحل حلم السوريين في بناء بلدهم المستقبلي، ويحل محل الحلم،
كابوساً تغذيه توجهات القوى الظلامية، والتي لا تمت لثورة السوريين بصلة. يقول
الصديق عبسي سميسم محرر صحيفة صدى الشام: “شعارات (الاسد أو نحرق البلد) و (خلافة
اسلامية أو نحرق الكرة الارضية) وجهان لعملة واحدة تقوم على الاقصاء واللؤم والإجرام
بسبب عدم امتلاك رؤية تستطيع من خلالها تقبل الآخر”.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *