الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / عن الاعتقالات التعسفية وأفق حرية التعبير

عن الاعتقالات التعسفية وأفق حرية التعبير

رانيا مصطفى

اعتقل الشاب يحيى منذ عام من قبل الأمن العسكري على أحد الحواجز في
حمص، أثناء ذهابه للاستكتاب على امتحانات الشهادة الثانوية، وسبب اعتقاله فقط أنه
من سكان الخالدية، دون أن يتمكن أهله من معرفة مكانه، ثم ليعلموا بعد عام أنه قتل
في إحدى معتقلات دمشق. وبالمثل يتبلغ أهل سامي، وهو أب لولدين، من قبل الأمن
العسكري، أنه مات، دون أن يتمكنوا من استلام جثته، وذلك بعد شهرين من اختفائه،
وكان سبب اعتقاله أنه “تلاسَنَ” مع أحد الحواجز أثناء تفتيش سيارته.
وهناك آلاف من الحالات المماثلة للاعتقالات العشوائية، والتي يدفع أهالي المعتقلين
مبالغ كبيرة في كل معتقل لدى السؤال عن وجود أبنائهم فيها. فقد تجاوز عدد
المعتقلين في سجون النظام السوري حد المئتي ألف معتقل؛ وتُظهر أساليب الاعتقال
المتبعة أنه أطلقت أيادي الأفرع الأمنية كيفما تشاء ودون ضوابط محددة، ولا يبدو أن
الغرض منها سوى استمرار التخويف والتضييق الأمني؛ فما عدا المخابرات الجوية
المختصة غالباً بمعتقلي الإغاثة الطبية والمالية وحمل السلاح، فإن بقية الأجهزة
الأمنية يحكم عملها آلية بيروقراطية،
مثلها مثل أية مؤسسة حكومية إدارية، حيث تعاقب الدورية التي تؤمر بالخروج إلى
منطقة حين تعود دون معتقلين، ومنهم من تكون صدفة مروره على هذا الحاجز في هذا الوقت
هي ما أدت إلى اعتقاله، وأن مكان تولده أو إقامته يعود إلى إحدى المناطق الثائرة،
وهنا قد “تُلزَق” به أبشع التهم، وقد يحال إلى محكمة الإرهاب، وقد يصفى
في السجن. وهنا تكثر حالات النصب والرشوى والاستغلال، التي يمارسها المحامون والقضاة
على أهالي المعتقلين، لإخراج أولادهم، أو تخفيف حكمهم.

وقبل الثورة سادت لدى الشعب السوري، طيلة عقود حكم القمع والاستبداد،
ثقافة التخويف من الاعتقال، حيث تكتظ السجون السورية بآلاف معتقلي الرأي والسياسة،
ومنهم من لا يُعرف مصيره في تلك السجون؛ حيث تنسج الحكايات والأساطير عن درجة
التعذيب التي يتعرض لها المعتقلون، والتي بعضها حدث بالفعل، وبعضها الآخر أشاعته
المخابرات السورية عمداً، لإبقاء الشعب في خوف دائم؛ وليس ذلك فحسب، بل أشاعت تلك
المخابرات قصصاً عن قدراتها الذكية في اختلاس السمع والقدرة على قراءة الأفكار.
وساهم ذلك في الترويج لمزيد من التخويف، وفي مراقبة ذاتية تتمثل في التحذير من
الانزلاق في حرية التعبير وتجاوز “الخطوط الحمراء”.

ثقافة التخويف السائدة تلك تغيرت لدى شرائح لا بأس بها من البيئات
التي ثارت، بعد أن ضاقت الأحوال بالجيل الشاب خصوصاً، حيث اشتد الفقر، وانعدمت
أسباب الثقة بالمستقبل، مما جعل الحياة تستوي مع الموت لديهم، وكُسِر حاجز الخوف،
ليكتشفوا أوهْامَ قدرات النظام الخارقة وذكائه، وأنه هو الضعيف الخائف والذي يتبع
أسلوب القتل والاعتقال الهمجي والعشوائي بقصد الترهيب والردع لا أكثر. حيث باتت
مراكز الاعتقال القديمة، والأخرى المستحدثة، تغص بالمعتقلين السياسيين، وبتهم
عشوائية، وغالباً ما تجد مهاجع بطول خمسة أمتار، وعرض أربعة، تحوي أكثر من خمسين
سجين، معظمهم يتلقون التعذيب الهمجي والعشوائي، وكل يوم يقضي بعضهم نحبه في السجن،
إما تحت التعذيب، أو بسبب سوء الأوضاع الصحية وعدم تلقي العلاج اللازم.

وقضية المعتقلين والمغيبين هي من الملفات الحساسة والتي تتصدر أولوية
اهتمامات الشعب السوري حالياً. وكان معاذ الخطيب، رئيس الائتلاف السابق، قد أطلق
مبادرة سقفها هو الإفراج عن المعتقلين، والتي لم تناقش لعدم عمليتها، لكن اللافت يومها
أنها لاقت ترحيباً من الشعب السوري، خاصة في المناطق الثائرة والمحررة، ما يؤكد
أهمية وأولوية هذا الملف لدى الشعب. فيما تغيب قضية المعتقلين عن مآرب المعارضة
السياسية، والتي تزاود على الشعب بأن لها أهدافاً تتجاوز ذلك، وهي إسقاط النظام،
وهي هنا تريد ذلك من أجل أن تكون بديلاً عنه في الحكم، وفي النهب!، تحت مسمى “ديمقراطية”،
ديمقراطية ضعيفة تمكن المعارضة من الانفراد في الحكم بها، دون مشاركة من الشعب،
سوى في اختيارها، ودون أن تكون معنية بما يريده من مطالب اجتماعية واقتصادية
وإنسانية. تلك المعارضة التي بدأت تحابي جماعات متطرفة دخيلة على الثورة السورية،
ولم تُدِن الانتهاكات التي تقوم بها، والتي هي من جنس انتهاكات النظام، كالقتل
والاعتقال التعسفي، والذي تمارسه تلك الجماعات باسم الدين، في المناطق التي يحررها
الجيش الحر، والواضح أن خطر تلك الجماعات على الثورة بات واضحاً، خاصة دولة العراق
والشام الإسلامية، والتي باتت تلاقي رفضاً شعبياً واضحاً في المناطق التي استطاعت
النفوذ إليها.

ومنذ بدء الثورة، تصاعد عمل المنظمات الحقوقية والإنسانية في ملف
المعتقلين، حيث تقوم هذه المنظمات بأعمال تتعلق بالتوثيق والإحصاء، وهي تجيد ذلك،
على الرغم من صعوبة التواصل مع الداخل المنكوب، لكن دورها في القدرة على التأثير
وإيقاف الاعتقال والقتل يكاد يكون معدوماً، على الرغم من كثرتها ومن الدعم المقدم
لها عالمياً. ولا يبدو أن هناك أمل كبير وفائدة تذكر من الاعتماد على هذه المنظمات
في الإفراج عن المعتقلين، إذ أن قدرتها على الضغط في مؤسسات المجتمع الدولي ضعيفة،
كما أنه ليس لديها القدرة على حشد الشعوب في العالم للتأثير على حكومات العالم
للضغط على النظام وإطلاق سراح سجناء الرأي؛ خاصة في ظل أثر المؤسسات الإعلامية
والتربوية والثقافية حول العالم، والتي تملكها أو تمولها المافيات التجارية
المسيطرة على المراكز الإمبريالية، وهم أصحاب الشركات العابرة للقارات، الذين
مصالحهم تتنافى بالضرورة مع ثورات العدالة الاجتماعية وحرية التعبير والديمقراطية
الأوسع التي تحقق مشاركة الشعب في الحكم وسن التشريعات.

بقاء النظام إلى هذه اللحظة يشكل كارثة حقيقية بالنسبة للمعتقلين
ولذويهم، سيما وأنه جرح مفتوح منذ بداية الثورة؛ ولأن لحظة نهاية النظام غير واضحة
بدقة، فإنه يقع على كافة القوى السياسية والمعنيين بهذه القضية الاستمرار في طرحها
في مختلف المنابر السياسية والإعلامية والحقوقية، باعتبارها قضية حياة أو موت
لأشخاص عزل، يقبعون في معتقلات لا يعرف عنها العالم أي شيء، ويتعرضون لمختلف أشكال
الانتهاكات بدءاً من التغييب القسري إلى الاعتداء الجنسي إلى القتل تحت التعذيب.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *