ياسر الأطرش
بحسب ما تسربُ لنا مرآة التاريخ من الماضي والحاضر من صور، يبدو الظلمُ
“الذي هو من شيم النفوس” واقعاً مؤكداً فيما عدا نثرات لا تكاد تشكل
فوارق حاسمة في التاريخ، إلا اللهم على الصعيد الأخلاقي.. فما تغني العرب
والمسلمين بعدالة عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الذي أطلقوا عليه “خامس
الخلفاء الراشدين” ، إلا تأكيد على أن جوهر العدالة كان مفقوداً فيمن سبق
الرجل أو تبعه، وإلا فهل يتغنى الناس بحالة شائعة تقع في العاديات من السلوك
البشري ؟! مؤكد لا .. الخليفة عمر الذي لم يتجاوز حكمه العامين أو زادهما بقليل (
سنة و11شهراً في رواية، وسنتان وأربعة أشهر في أخرى)، ضرب مثلاً وكان على الصعيد
الشخصي قدوة حقاً، ولعل أبرز الأدلة أن الفريقين المتناحرين تاريخياً (السنة
والشيعة) أجمعا على ورع الرجل وتقواه وعدله، وكفى بهذا دليلاً. وفي الزوايا الأخرى
والمطارح الزمانية والمكانية ما قبل عمر وبعده، ماذا كان إذاً من شأن العدالة؟..
ثلاثة من خلفاء رسول الله قُتلوا .. واستمر مسلسل القتل السياسي الناجم في أحدِّ
أشكاله عن عدم قدرة الحاكم على تحقيق العدالة والمصالحة .. ومتى شهد تاريخ العرب
عهداً تصالحياً بمعنى الكلمة ؟.. وعلى الصعيد الخارجي حين كان نصف القرار العالمي
أو يزيد يصدر من دمشق وبغداد، ثم غرناطة وإشبيلية حتى عهد قرار إسلام بول .. هل
كانت العدالة والمساواة تشكل أسس الحكم والتعامل مع الآخر .. فلماذا إذاً أخرج
الأوربيون العرب من الأندلس بعد ما يقرب من 25 جيلاً؟ .. وهل كان إذاً قصر الحمراء،
ومدينة الزهرا،ء وطين اعتماد المعتمد، هل كانت متاحة وحقاً وارد المنال للعنصر
الأصلي في البلاد ؟؟.. أما بيتُ محمد نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، والذي حكم
هؤلاء باسمه، فكان كبيوت العامة أو أقل شأنا.. يأكل مما يأكلون ويسكن كما يسكنون،
فعند محمد وبعض خلفائه كعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز دلالات وإشارات لا يضيع
معها دليل، ولا يفلح معها مضلل في الخلط، أما الغالب الأعم من (أمراء المؤمنين)
فقصورهم وجواريهم وعبيدهم وحريرهم يضع كل الشبهات عند التطبيق، دون أن يمس النظرية
بسوء.
أما عن التعذيب والتنكيل فسلوا التاريخ كله، قلبوا أي كتاب لأئمة
المسلمين وغيرهم في التاريخ، ستجدون أبشع وأشنع أنواع التعذيب، بعيداً عن حدود
الله التي شرعها، فمن سلخ جلود الأحياء وحشوِها بالتبن، إلى سمل الأعين، وصلم
الآذان، وجدع الأنوف، وليس آخرها الخازوق.. ولست هنا أبداً بصدد تشويه ولا تلميع،
بل محاولة لتلمس واقع من خلال تاريخ، فالأوربيون في العهود الوسطى وما بعدها- وحتى
الآن- ما كانوا إلا أسوأ وأعثر حالاً، فأمة التحرر وداعية الديمقراطية والقيِّم
عليها ( الولايات المتحدة الأمريكية) ما زالت ترفض إغلاق معتقل غوانتنامو الذي يعد
وصمة عار في وجهها ووجه العالم الحر .. وما بعض شعوب شرق آسيا بأفضل حالاً، ولا
الأفارقة، فبعضهم يصل حدود الهمجية والتوحش..
حُكم كيري- لافروف على الضعيف!
لطالما سمعنا- فيما سمعنا من الأمثلة الشعبية الشائهة- التي تربينا
عليها قول أمهاتنا وآبائنا:( حكم القوي ع الضعيف) .. هذا يفسر كل ما سبق في
المقدمة هنا.. وحكم القوة منطق واقعي، لا مفر منه إلا بنظريات حكم وعلاقات بينية
ودولية جديدة لا يبدو العالم راغباً بها أو مستعداً لها. والآن – بعد التدخلات
الخفية على مر المشهد السوري- أطل وزيرا خارجية أمريكا وروسيا ليعيدا كرَّة
التناطح مجدداً، وليدخلا ساحة المصارعة بعد استراحة طالت، هذه المصارعة التي لا
تتيح شِرعتها المصالحة والانتهاء ببوس الشوارب، فلا بد من علامةٍ على وجه أحد
الديكين كي تنتهي المسألة، وربما أيضاً ينتهي تاريخ الخاسر سياسياً، كيري ولافروف
يفهمان قواعد اللعبة كوزيرين وكأشخاص أيضاً، كل منهما الآن يدافع عن اللقب، كيري
عن تاريخه الشخصي وتأكيد صدارة بلده للعالم، ولافروف كذلك- وإن كان للبعد الشخصي
دور أكبر- فهناك لا تبدو البلاد ولا الشعب بتلك الأهمية..
المباراة بين الرجلين بدأت
فعلاً، وبشكل معلن، وبحضور كل جمهور الكرة الأرضية المهتم، ويتم نقلها عبر الأثير،
وخلال الاستراحات التي صارت قصيرة جداً، يحرص الرجلان على أخذ المنشطات من العواصم
التي يزورونها في مشارق الأرض ومغاربها، حتى إذا بدأت جولة أخرى رأيتَ مشجعين
جدداً وهتافات جديدة، وما كان هذا ليتوقف ولا لجولة واحدة..
أما الفائز – سيداتي سادتي- فسيفوز بكأس العدل، ويُعطى ألقاباً ما
حازها بشر من قبله، فهو منقذ الطفولة وحامي الحريات والقيِّم على الشرعة الإنسانية
والمنتصر للمظلومين … والمكافأة المادية ( المدفوعة من دول النفط غصباً وطوعاً)
لا يعلمها إلا ذو علم ما أوتيناه، أما القضية التي تصارعا من أجلها والتي يموت
أبناؤها في ميدان آخر بعيداً عن الشاشات غالباً، فهي بلد صغير دفع أكثر من نصف
شعبه ما بين شهيد وجريح ومعتقل ومهجر .. لينتصر لقيمة العدل .. والعدل فقط .. إلا
أنه عاد وتشتت واختلف مع بنيانه ذاته، فهل ستكون حريته على الطريقة (الكيرية أو
اللافروفية)؟؟ ..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث