ريان محمد
“2.7
مليار لتر حاجة البلاد من المازوت خلال الشتاء القادم”
مع بدء
فصل الشتاء تعود لذاكرة السوريين صور ارتجاف أجساد أولادهم من البرد الذي عانوا
منه طيلة الشتاء الماضي، مع النقص الشديد في مواد التدفئة وارتفاع أسعارها الجنوني
إن وجدت، ووقوفهم ساعات طويلة أمام محطات توزيع الوقود، وبحثهم في الأزقة عن أي
شيء يشعلونه في مدافئهم محاولين إبعاد البرد عنهم، واليوم تعود مخاوف السوريين من
تكرار مأساتهم وسط تردي الأوضاع الأمنية، وعدم ملاحظة آليات جديدة لتلافي المشكلات
السابقة.
يقول أبو
زهير: “مع اقتراب الشتاء يزيد همي، فلم أنس بعد مشهد أبنائي وهم يرتجفون من
البرد معظم فصل الشتاء الماضي، ووقوفي لساعات طويلة أمام محطات الوقود للحصول على
بضع لترات من المازوت، والتي كثيرا لا أحصل عليها”.
وأضاف:
“لم أترك الشتاء الماضي شيئا قديما في منزلي إلا وأحرقته، من أحذية وملابس،
وحتى بعض الأثاث الذي استطعنا الاستغناء عنه، ورغم كل ذلك لم استطع أن أقي أبنائي
من البرد”.
من جانبه،
قال عبد الرحمن: “لا أعتقد أن وضعنا في هذا الشتاء سيكون أفضل من الذي سبقه،
فالمشكلات التي تحججت بها الحكومة طوال الفترة الماضية مازالت قائمة؛ الوضع الأمني
متردٍ وخاصة على خطوط النقل، بل خرجت العديد من الخزانات وصهاريج النقل من الخدمة
نتيجة الأعمال العسكرية، ولم يتم وضع آليات جديدة لتوزيع مواد المحروقات”.
وأضاف:
“العام الماضي هللت الحكومة كثيراً عبر وسائل الإعلام الرسمية، بتخصيص كل
عائلة بـ400 ليتر مازوت، لكنها لم تصل إلى الكثير من العائلات، بسبب قلة المادة
وسوء التوزيع”.
معتبراً
أن “هذا الشتاء ليس بأفضل فقد بدأت السوق السوداء تنشط، حيث يستغل التجار
حاجة الناس المادية في شراء حصصهم من المازوت، إضافة إلى آلية التسجيل والتوزيع
التي لم تكن ناجعة، حيث حرمت الكثير من العائلات من حصصها بسبب سكنهم قرب مناطق ساخنة”.
من جانبه،
قال ساري، ناشط في المجال الإنساني، إن “المعاناة الأكبر في فصل الشتاء
القادم ستكون من نصيب السوريين النازحين من مناطقهم جراء القصف الذي تتعرض له،
وخاصة من لم يحالفه الحظ في اللجوء إلى أحد مراكز الإيواء المقامة في المدارس
والجوامع، مع ما تعانيه من نقص التجهيزات والرعاية الصحية، حيث يفترشون الحدائق
والشوارع”.
وتابع:
“هؤلاء لا يفكرون في تأمين مازوت أو غيره، لأنهم لا يجدون ما يرد عنهم أذى
الشارع والبرد والمطر” مبيناً أن “المأساة في طريقها للتفاقم، مع ازدياد
أعداد العاجزين عن دفع إيجارات منازلهم وعدم وجود بديل لها، في ظل غياب أي رعاية
للدولة أو السماح للمنظمات الإنسانية بالتدخل، ما يهدد حياتهم”، لافتاً إلى
وجود “تسريبات حول التحضير إلى إخلاء بعض جوامع ومدارس دمشق من النازحين
المقيمين بها، ولا خطط لاستيعابهم في أماكن أخرى”.
بدوره،
قال موظف في مؤسسة توزيع المحروقات، تعليقاً على قرار الحكومة تخصيص كل عائلة
بـ400 لتر مازوت: “القرار شيء والتطبيق شيء آخر، إن إمكانية المؤسسة المتوفرة
حالياً من آليات وكوادر لا تؤهلها لتنفيذ هذا القرار” لافتاً إلى أن
“العام الماضي لم تستطع المؤسسة الفصل الماضي تلبية أكثر من 25% من الطلبات
اليومية”.
ولفت إلى
أن سوء إمكانية المؤسسة لا يعود للأزمة التي تعيشها البلاد، فمنذ أكثر من 15 عام
ونحن نطالب بتجديد أسطول النقل في المؤسسة الذي يعود عمره لخمسين سنة، ولكن عدم
التجاوب مع مطالبنا جعلنا اليوم عاجزين عن تأمين احتياجات المواطنين خلال فصل الشتاء،
ما جعل المؤسسة تعتمد على القطاع الخاص، الذي أثبتت التجربة أن همه الأول والأخير
الربح، ما جعل قنوات الفساد تنشط في المؤسسة، في ظل غياب الرقابة”.
وبين أنه “في
حال تأمين الأسطول، يستطيع القطاع العام وحده التصدي لهذه المهام، بعيداً من الاحتكار
والمضاربة، ومن تهريب المادة إلى السوق السوداء وإلى خارج الحدود”.
وكانت
الحكومة أعلنت إغلاق العديد من محطات الوقود التي أثبت تلاعبها بأسعار الوقود
وتهريبه، في حين قالت تقارير أن من تم ضبطهم هم الحلقة الأضعف، في سلسة من الفساد
تفقد الوطن مليارات الليرات.
وكانت الحكومة
قد أقرت توزيع 400 لتر من المازوت لكل عائلة لحاجات التدفئة، وفق البطاقة
العائلية، حيث توزع بالسعر الحالي وهو 60 ليرة للتر على دفعتين بمعدل 200 لتر لكل دفعة.
وكان رئيس
الحكومة وائل الحلقي قد قال في وقت سابق، إن سعر ليتر المازوت قبل الأزمة كان يكلف
الدولة 14 ليرة وتبيعه بـ 7 ليرات، في حين يكلفها اليوم 200 ليرة وتبيعه بـ 60 ليرة،
أي أنها كانت تدعمه قبل الأزمة بنسبة 100% واليوم تدعمه بأكثر من 300%.
ورغم حديث
الحكومة عن عملها لمنع حصول أزمة مواد تدفئة، يشكك متابعون في أن ينعكس ذلك على
المواطنين، حيث لم تحل مشكلة تأمين نقل مواد المحروقات بسبب الأوضاع الأمنية،
إضافة إلى الاحتكار، وصعوبة تأمين مواد التدفئة للمدنيين المقيمين في المناطق
الخارجة عن سيطرة النظام.
من جهتها
قدرت وزارة النفط احتياجاتها من مادة المازوت لموسم الشتاء بحوالي 2.7 مليار ليتر،
من أصل حوالي 4.7 مليار ليتر، هي احتياجات سورية السنوية.
ويقدر الاحتياج
اليومي خلال أشهر الشتاء بـ15 مليون ليتر مازوت، أي بـ450 مليون ليتر شهرياً، أما في
باقي أشهر السنة، فإن الاحتياج اليومي يقدر بـ10 مليون ليتر يومياً، ما يعادل 300 مليون
ليتر بالشهر.
وأما الاحتياج
اليومي من مادة البنزين يقدر بـ6 ملايين ليتر، والشهري 180 مليون ليتر، ليكون الاحتياج
السنوي 2.1 مليار ليتر بنزين.
يذكر أن
الحكومة بدأت في مسلسل رفع سعر لتر المازوت منذ عام 2008 لثلاثة أضعاف سعره حينها،
ليصل إلى 25 ليرة لليتر، بدعوى أن الدعم لا يصل مستحقيه، واستعاضت عن دعم أسعاره بطرق
ووسائل أعلنت فشلها لاحقاً، لتعود بعد ذلك في عام 2009 إلى تخفيضه 5 ليرات، إلى أن
عادت في شهر أيار من عام 2011 وأصدرت قراراً بتخفيض سعر ليتر المازوت من 20 ليرة إلى
15 ليرة، لتعيد رفعه إلى 20 ليرة في عام 2012، ثم 23 ليرة في العام ذاته، ومن ثم
عاودت لرفع سعره في شهر كانون ثاني من العام الجاري إلى 35 ليرة، وأخيرا رفعته إلى
60 ليرة في شهر حزيران الماضي.
وكانت
تقارير عديدة أفادت بأن رفع سعر ليتر المازوت انعكس سلباً على الوضع المعيشي
للمواطن السوري، وكان أخطرها على قطاع الزراعة، حيث أخرج مساحات كبيرة من الأراضي
الزراعية المروية لارتفاع التكلفة، ومفقداً ناتج تلك الأراضي الجدوى الاقتصادية، كما
ضعّف أجور النقل عدة مرات، أضف إلى ذلك تأثيره غير المباشر الذي شمل كافة احتياجات
المواطن.
يشار إلى
أن المواطن السوري يعيش ظروفا إنسانية صعبة منذ أكثر من عامين، طالب خلالهما
بالكرامة والحرية، الأمر الذي واجهه النظام بعنف مفرط، استخدم خلاله كل أنواع
الأسلحة، ما سبب دماراً كبيرا وغير مسبوق، أفضى إلى تهجير ملايين السوريين من
مناطقهم، وتفيد منظمة الأمم المتحدة أن ثلث الشعب السوري بحاجة إلى مساعدات
إنسانية عاجلة، في وقت حذرت فيه منظمات دولية من تردي أوضاع السوريين، ومعاناتهم
من النقص الحاد في المواد الغذائية، الذي من المحتمل أن يتحول إلى مجاعة، إذا
استمر الوضع في البلاد على حاله.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث