بقلم نبيل شبيب
كذب
المستبدون ولو صدقوا..
يسري
ذلك في اللحظة الراهنة على التصريحات الصادرة عن العصابات المتسلطة على سورية وشعبها،
عندما تتحدث عن الاستعداد لاتفاق على وقف إطلاق النار إذا ما انعقد مؤتمر جنيف ٢، مع
تعليل ذلك بأن الطرفين على جانب من القوة يمنع الحسم العسكري لفترة طويلة.
على
الأرجح.. لا يصادف من هذا الكلام الصدق سوى الإقرار الضمني بالعجز عن تحقيق تقدم عسكري
ما في ساحات المواجهة مع الثوار، رغم استمرار القصف والتنكيل بأقصى الدرجات.
ويبقى
خارج إطار صدق المستبدين:
(١)
الثوار يتقدمون في حماة وحلب، وفي الغوطة ودمشق، وفي دير الزور ودرعا.. في سائر الجبهات.
(٢)
ليس إعلان الاستعداد لوقف إطلاق النار قراراً صادراً عن العصابات، بل هو تلبي لأمر
السيد الروسي ليكون ورقة في المساومات الجارية على عقد المؤتمر بعد أسابيع، وربط ذلك
بقرار “تسليم الكيماوي”.
(٣)
ولئن وجد شريكاً آخر، فهو الحليف الإيراني الذي أدرك ما يعنيه انكسار جناحه الحزبي
في لبنان، وحتمية سقوط ركيزته الأسدية في سورية، فتحرك بكل قواه للتفاهم العلني مع
الغرب على أعلى المستويات لضمان مستقبله النووي “السلمي!” (مع ملاحظة حرص الغرب
على وجود إيراني قوي إقليمياً، ولكن داخل نطاق المحظورات الدولية).
(٤)
اهتراء مفعول السند الذي “كان” منتظراً من الانقلاب العسكري في مصر، بعد
أن بات الانقلاب نفسه على كف عفريت، بعد ظهور أن ما يسمونه “الإسلام السياسي”
هو “الإسلام الشعبي الوطني”.
(٥)
رغم استمرار جهود مكثفة لتقويض الثمرات الأولى من ثورات بلدان الربيع العربي وسنده
التركي، لا يبدو أن أهداف تلك الجهود قابلة للتحقيق بالسهولة التي تصوّرها من يمارسها
من القوى الغربية.
. .
.
كذب المستبدون ولو صدقوا..
باختصار..
لم يعد يوجد “طوق نجاة” للعصابات الأسدية سوى مؤتمر جنيف ٢، لأنه الصيغة
الوحيدة الباقية من صيغ التعامل التقليدي المتوارث دولياً وإقليمياً من عصر ما قبل
الثورات العربية، في مواجهة ما يطرأ من تطورات مفاجئة لصانعي القرار إقليمياً ودولياً.
(١)
هو الساحة التي كانت وما تزال ساحة التقاء وافق عليها أقطاب القوى الدولية، واعتبروها
الورقة الوحيدة التي لا ينبغي إسقاطها في نطاق التفاهم فيما بينهم، مهما اختلفوا في
المراحل السابقة في ساحات أخرى للتعامل مع حدث الثورة الشعبية التاريخي في سورية.
(٢)
هو الساحة التي يمكن من خلالها ممارسة الضغوط التقليدية، بما فيها “التخويف”
مما سينشأ في سورية الثورة، لتشارك في المؤتمر قوى إقليمية، بقيت سياساتها “الرسمية”
حتى الآن قائمة على إسقاط النظام الأسدي، وليس الجلوس معه على مائدة مفاوضات.
(٣)
هو الساحة التي لم تعد مقفلة في وجه إيران تخصيصاً، بعد أن ظهر الاستعداد لعقد لقاءات
“قمة” إيرانية-غربية، لا ريب أنها ستشهد المساومات على سورية، جنباً إلى
جنب مع المساومات على الملف النووي.
(٤)
هو الساحة التي تعتقد القوى الدولية أن في الإمكان “دفع” المعارضة السياسية
السورية بما في ذلك “الجزء” العسكري المرتبط بها، إلى المشاركة في البحث
عن حل آخر غير “إسقاط” مطلق لنظام العصابات الأسدية، في إطار مزاعم إنقاذ
البقية الباقية من مؤسسات “الدولة”، ويقصدون بذلك “فقط” الأجهزة
العسكرية والأمنية المرعبة، أكثر من قرينتها في مصر.
(٥)
هو الساحة التي يمكن استخدامها كورقة توضع على الطاولة، بدلاً من ورقة “ضربة عسكرية”،
كمخرج يريح جميع الأطراف التي تعبث أصابعها من خارج مسار الثورة في محاولات “رسم”
مستقبل سورية.
. .
.
كذب
المستبدون.. والمتعاملون مع المستبدين ولو صدقوا.
لا يزال
الرقم الوحيد الصعب- وفق تعابير السياسيين- هو النسبة الأعظم من الثوار، أي المرتبطون
بالشعب الثائر، وبمعاناته اليومية، وببطولاته التاريخية. هم الذين يواجهون الآن القرار
الحاسم بعد ثلاثين شهراً من عمر الثورة.. وليست صناعة القرار خطوة اعتباطية، بل ترتبط
بأسئلة حاسمة أيضاً:
(١)
ما الذي يحدد مستقبل مسار الثورة؟..
هل هي
على طريق النصر، كما تقول المقارنة بين موقعها اليوم بالمقارنة مع يوم انطلاقتها، ولا
يكاد أحد من “المتنبّذين” يصدّق بأنها وصلت إلى ما وصلت إليه فعلاً، أم مقارنة
وضعها اليوم بما تريد تحقيقه من أهداف، إذ لا تنقطع تنبؤات “المتنبّئين”
اليوم -وأولها التصريحات “الصادقة!” من جانب المستبدين- بأنها لن تتمكن من
الحسم العسكري؟..
(٢)
ما هو العامل الحاسم في مسار الثورة؟..
هل هو
ما يصل من دعم، أم هو الطاقات الذاتية المحدودة طوال سنوات شحّ الدعم الخارجي، لا سيما
وأن لحظة الانطلاق الأولى كانت لحظة “عدمية” من حيث حجم الإمكانات، بالمقارنة
مع اللحظة الراهنة وما يتوافر فيها من إمكانات.
(٣)
ماذا يعني منعطف جنيف ٢ في مسار الثورة؟..
هل يعني
خطوة أخرى في تحقيق “النصر”؟ أم يعني الإغراء بنصر جزئي؟ كما حدث مع ثورات
الربيع العربي الأخرى، وما تشهد على نتائجه الأحداث الجارية “الآن” في بلدان
الربيع العربي الأخرى؟..
(٤)
ما هو شرط الانتصار “الموضوعي” في مسار الثورة؟..
من بعد
الاعتماد على الله وحده، هل يكون الأخذ بأسباب استكمال النصر عبر تحقيق الهدف الأول،
إسقاط النظام الهمجي، من خلال استمرار ما يصنع الثوار، كل على جبهته، مع مزيد من التعاون
والتنسيق والتكامل، حتى يتلاقى الجميع يوم النصر بإذن الله، أم من خلال بعثرة القوى
الثورية، ما بين انطلاق فريق في مؤتمر جنيف ٢، وبقاء فريق في..الجبهات؟..
. .
.
كلا..
جنيف
٢ مطبّ يتميز عمّا قبله، بأن معظم القوى الدولية والإقليمية المتنافرة من قبل، تتلاقى
على ترتيبه وعلى دفع الثورة للسقوط فيه، حتى وإن تباينت الأهداف ما بين واهم بالقضاء
المطلق عليها، وعامل على صنع وضع آخر غير الذي تصنعه الثورة في سورية وفي المنطقة ودولياً،
وفريق ثالث، يعتبر نفسه من الثورة أو متحدثا باسمها.. قد ينخدع، ولا نرجو له ذلك، ولا
نرجو على جميع الأحوال أن يكون المدخل إلى ربط سواه من القوى الثورية والشعبية في أرض
الوطن بمسار جنيف ٢، بدلاً من مسار النصر العزيز، سائلين الله أن يكون إحدى الحسنيين،
ليعود الأمن والأمان لأهل سورية في الوطن المدمّر، والعودة لأهل سورية في شتات التشريد،
كما تحققت إحدى الحسنيين للشهداء، فهم مع النبيين والصديقين وحسن أولئك رفيقا.
والله
وليّ التوفيق.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث